فرح اختي وعمامي حكايات روماني مكرم ١
اللقمة وقفت في زوري والكلمات خنقتني، ورجعت خطوة لورا وأنا حاسس بالذل والانكسار، لكن فجأة، ضربت عصاية عمي الكبير، كبير العيلة والراس العاقلة فيها. وقف بطوله الفارع، وبص لأولاده وأخواته بنظرة صقر حامٍ، وهدر بصوت هز الحيطان: “الكل يخرس واصل! الكلمة كلمتي والشور شوري. دي بنتنا ولحمنا ودمنا، والّي يمس طرف طوبتها يمس عمايمنا كلنا الأرض. والنهاردة الحنة.. يلا بينا نروح ونشرف لحمنا وندوسوا على أي زعل!”
كانت الكلمات دي أمر عسكري ميرجعش فيه واصل. في دقايق معدودة، المضافة انقلبت خية نحل. دخلوا الرجالة والشباب، وتأهبوا كيف عساكر رايحة تاخد بتار الشرف. خرجوا كلهم في زفة تهز الأرض، لابسين جلاليب الصعايدة المعتبرة اللي تشرف، قماشها واجف ويفرح، وحاطين الشيلان الكشميري على أكتافهم، وماسكين عصيهم الأبنوس اللي تضرب الأرض بجرّة واحدة ومشي متناسق. كيف ما يكون جيش من الملوك زاحف يرجّ كبرياء العيلة.
مشيت أنا قدامهم والخرير والفخر مالي صدري. وأول ما وصلنا لبوابة الدوار بتاعنا، حصلت الفجيعة اللي محدش كان يظنها واصل.
بمجرد ما عتبت رجلي أعمامي وأولادهم ساحة الدوار، خفت صوت المزمار شوي بشوي لحد ما انقطع خالص. الكلام جف في الحواج، والتفتت روس مئات الحاضرين من أهل العريس والمعازيم ناحية البوابة في ذهول ومصمصة شفايف. المشهد كان يقشعر ليه البدن؛ واحد وعشرين راجل من صلب راجل واحد، داخلين كتلة بشرية واحدة، تفيض بالهيبة والشموخ، يمشوا بخطوات رصينة هزت طين الساحة. الهمس اشتغل بين أهل العريس: “مين الجبال دول؟! مش قالوا مالهمش عزوة؟! دول عيلة يهدوا بلد!
_رومانى_مكرم
في اللحظة دي بالذات، كان بوي واجف في وسط الساحة، شايل في يده صينية النحاس وعليها الحجة والضيافة، مذهول من الصمت اللي حلّ فجأة في الفرح. دار ببطء ناحية البوابة عشان يشوف إيه الخبر وإيه اللي سَكّت المزمار.
وقع بصر بوي عليهم. جمد الدم في عروقه، واتسمر مكانه كيف الصنم، وسقطت صينية النحاس من يده لتتكسر على البلاط وتتحطم كاسات الشربات، وصوت رنتها كان هو الوحيد المسموع في الدوار كله. تلوّن وشه بألف لون، واهتز طوله بشدة وكأنه يشوف غُيّاب رجعوا من القبور بعد ما قطع الأمل فيهم. بص لأخواته السبعة اللي هجرهم وهجروه سنين وطال بيناتهم الجفا، وبص لأولادهم الأربعة عشر اللي كبروا وبقوا رجالة ماليين هدومهم وعصيهم في أيديهم.
تقدموا أعمامي بخطوات تقيلة وواثقة لحد ما بقوا على بعد خطوتين منه واجفين سد منيع، وعيونهم السودة مثبتة في عيونه.