مرات اخويا حكايات روماني مكرم
رجعنا البيت، وكنت بحسس عليها كأنها جوهرة خايفة عليها تتجرح. منعتها من الحركة تماماً، وعيالي لما عرفوا بقوا يجروا حواليها ويفرحوها بطريقتهم: “يا طنط هناء إحنا مش هنخليكي تعملي حاجة خالص، إحنا اللي هنذاكر لوحدنا ونشيل البيت”.
في نفس اليوم بالليل، الباب خبط. فتحت لقيت أحمد واقف، وشه كان باهت وفيه علامات إرهاق، غريبة وهو لسه عريس جديد بقاله أسبوعين! دخل وبص في الأرض وقال بصوت واطي: “إزيك يا مروة.. إزيك يا هناء، عرفت إنك تعبتي الصبح وروحتوا للدكتور.. خير؟ طمنوني عليكي”.
كنت لسه هرد بعصبية وأقوله إن ربنا أغناها عنه، بس هناء شاورتلي بعينيها عشان أسكت. بصت لأحمد بنظرة هادية جداً، نظرة خالية من العتاب أو الشوق، وقالت بنبرة صلبة ومستقرة: “الحمد لله يا أحمد، طلعت حامل”.
أحمد اتسمر في مكانه، الشنطة اللي كانت في إيده وقعت على الأرض، وشه اتقلب ألوان وشفايفه بقت تترعش: “حـ.. حامل؟ هناء إنتي بتتكلمي جد؟ إزاي والدكاترة قالوا..”.
قاطعتُه بقوة وقولت: “قالوا لما يكون الأمر بإيد البشر يا أحمد، بس ربنا أمره بين الكاف والنون. هناء حامل في الشهر التاني، يعني من قبل ما تتجوز وتعمل ليلتك بـ أسبوعين، بس إنت اللي كنت مستعجل وعينك عميت ومصبرتش”.
أحمد قعد على أقرب كرسي وهو حاطط رأسه بين إيديه، مكنش عارف يفرح بالخبر اللي اتمناه ست سنين، ولا يتصدم من الورطة اللي حط نفسه فيها. العروسة الجديدة اللي شرطت عليه شقة بعيدة وبدأت تظهر طباعها الحادة وتحكماتها من أول أيام، ودلوقتي هناء، حب حياته والست الأصيلة اللي شالته في فقره، حامل في ابنه الأول.
بص لهناء وعينيه مليانة رجاء: “هناء.. أنا.. أنا لازم أرجعك بيتك فوراً، إنتي لازم ترتاحي في بيتك وتجهزي لـ ابننا”.
هناء ابتسمت بوجع وقالتله: “بيتي؟ أنهو بيت يا أحمد؟ البيت اللي العروسة الجديدة شرطت إنك تقفله ومتدخلنيش فيه؟ ولا البيت البعيد اللي إنت أجّرته عشان ترضيها؟ أنا مش هتحرك من عند مروة، وابنك هيربى هنا لحد ما أقوم بالسلامة، وبعدها.. لكل حادث حديث”.
أحمد قام وهو مشوش، مش قادر ينطق بكلمة تانية، وخرج من البيت وهو حاسس بـ تقل الجبل فوق كتافه.
مرت الأيام، وحمل هناء كان صعب ومحتاج راحة تامة. وفي يوم، تليفوني رن، ورقم أحمد هو اللي ظهر. فتحت الخط ولقيت صوته كله عياط وخوف: “إلحقيني يا مروة.. أنا في المستشفى.. أنا بضيع”.