اول ماجدتي توفت
خالاتي وخالي خسروا كل شيء تقريبًا.
مش بسبب الفلوس.
لكن لأن الطمع أكل آخر حاجة كانت فاضلة عندهم احترام الناس.
أما أنا
فكسبت بيتي.
واسترديت حقي.
ولقيت أبويا.
لكن أكبر مكسب كان إني عرفت إن الست العجوز اللي كانت بتلبس مريلة زرقا قديمة كل يوم
ما كانتش مجرد جدة.
كانت بطلة حقيقية.
حمتني وأنا طفلة.
وحفظت حقي وأنا كبيرة.
وسابتلي الطريق كله مرسوم قبل ما ترحل.
وفي ليلة هادئة بعد شهور، دخلت أوضتها القديمة.
فتحت الدرج اللي كانت بتحط فيه مسبحتها.
ولقيت ورقة صغيرة جدًا ماكنتش شفتها قبل كده.
مكتوب فيها بخطها المرتعش
لو وصلتي لهنا يا ندى
يبقى انتصرتي.
سامحيني إني خبيت عنك حاجات كتير.
بس كنت بحارب علشانك.
ولما تقفي قدام المراية يومًا ما
افتكري إنك أقوى مما تتخيلي.
وأغلى من كل الفلوس اللي سبتها.
بحبك.
تيتة زينب.
حضنت الورقة على صدري.
وبكيت.
لكنها كانت أول دموع راحة أنزلها من سنين.
رفعت عيني للسما.
وهمست
متقلقيش يا تيتة
الأمانة وصلت.
والحق رجع.
وأنا بقيت بخير.
لأول مرة فعلًا
خير.
لكن الحكاية ما انتهتش عند كده.
بعد حوالي ستة أشهر من افتتاح المؤسسة، كنت راجعة البيت متأخر بعد يوم طويل.
لقيت ظرف أبيض محطوط تحت الباب.
من غير اسم مرسل.
فتحت الظرف بحذر.
وكان جواه مفتاح صغير جدًا.
ومعاه ورقة مكتوب عليها:
“الحاجة زينب كانت أذكى من الجميع. ولو وصل المفتاح لندى، يبقى وقت السر الأخير جه.”
قلبي دق بعنف.
افتكرت كل الأسرار اللي ظهرت.
وافتكرت إني كنت مقتنعة إن مفيش حاجة تانية مستخبية.
لكن جدتي أثبتت أكتر من مرة إن مفاجآتها ما بتخلصش.
في اليوم التالي، أخدت المفتاح وروحت البنك.
مدير البنك نفسه اتفاجئ.
وبعد مراجعة طويلة قال:
“الغريب إن المفتاح ده مش للخزنة اللي فتحناها قبل كده.”
سألته:
“أمال لخزنة إيه؟”
فتح الكمبيوتر.
وبعدين رفع عينه ناحيتي.
“في خزنة تانية باسم الحاجة زينب… لكن عليها تعليمات إنها ما تتفتحش إلا بعد ستة أشهر من تنفيذ الوصية.”
شعرت بقشعريرة.
كأن جدتي كانت مرتبة كل خطوة.
نزلنا للطابق السفلي.
والخزنة اتفتحت أخيرًا.
لكن المرة دي…
ماكانش فيها فلوس.
ولا عقود.
ولا ذهب.
كان فيها صندوق خشب صغير.
قديم جدًا.
عليه خدوش الزمن.
فتحته بإيدي المرتعشة.
لقيت عشرات الخطابات.
كل خطاب عليه تاريخ.
وأسماء.
اسمي.
واسم أبويا.
واسم أمي.
وحتى أسماء خالاتي وخالي.
جلسنا نقرأ.
وكانت المفاجأة الأكبر في آخر خطاب.
كتبت جدتي:
“لو وصلتي هنا يا ندى، يبقى عرفتي الحقيقة كلها تقريبًا.
لكن في حاجة محدش يعرفها.