امي حكايات اسما السيد 2
بعد ولادة بنتنا بستة شهور تقريبًا، كنت فاكر إن الحياة أخيرًا بدأت تهدى.
بيتنا بقى مليان ضحك صغير، وصوت ياسمين وهي تغني لبنتنا “زينب” بالليل، ورائحة القهوة اللي كانت تعملها كل صباح قبل ما أصحى للشغل. أمي بقيت تيجي القاهرة أسبوع وتقعد في المنيا أسبوع، وكريم اتخرج من هندسة واشتغل في شركة محترمة، وكل حاجة كانت ماشية كأن ربنا أخيرًا قرر يعوضنا عن سنين التعب.
لكن الحقيقة إن بعض الجروح القديمة ما بتموتش بسهولة.
وفي يوم عادي جدًا… اكتشفت إن أكتر حاجة ممكن تهد بيت مش الفقر… ولا المرض… ولا حتى كلام الناس.
الخوف.
كان يوم خميس. رجعت من الشغل بدري علشان آخد ياسمين ونتغدى بره لأول مرة من شهور. دخلت البيت وأنا شايل لعب صغيرة لبنتي، لكن أول ما فتحت الباب حسيت إن فيه حاجة غلط.
البيت هادي بزيادة.
مافيش صوت كرتون أطفال.
مافيش ضحكة زينب.
ناديت: — ياسمين؟
ماحدش رد.
قلبي اتقبض فورًا.
دخلت الصالة بسرعة… لقيت بنتي نايمة في الكرسي الهزاز، لكن ياسمين ماكنتش موجودة.
ولما دخلت أوضتنا… لقيتها قاعدة على الأرض جنب السرير، ضامة رجليها لصدرها، ووشها كله دموع.
اتجمدت.
عمري ما شوفتها بالشكل ده من يوم اختبار البيت القديم.
قربت بسرعة: — مالك؟ حصل إيه؟
رفعت عينيها الحمرا ليا وقالت بصوت مكسور: — هي سابتني يا أدهم.
ماكنتش فاهم.
— مين؟
طلعت من جيبها ورقة مطوية… وادتهالي.
أول ما شفت الخط… قلبي وقع.
أمي.
فتحت الورقة بسرعة.
“أنا هارجع البلد يا ابني. وجودي بينكم بقى تقيل. كل ما أدخل أوضة وأسكت تحس مراتك إنها لازم تقوم تخدمني، وكل ما البنت تعيط تفتكر إني هقول إنها مش عارفة تربي. أنا مش زعلانة من ياسمين، دي بنتي. بس أنا حاسة إني بقيت حمل. وأنا ماحبش أبقى حمل على حد. خلي بالك من بيتك ومراتك وبنتك… وسيبني وسط أرضي والناس اللي شبهي.”
الورقة وقعت من إيدي.
لفيت أبص لياسمين بصدمة: — إيه الكلام ده؟ أمي مشيت؟
هزت راسها وهي بتعيط: — حاولت أمنعها… والله حاولت.
قعدت قدامها بسرعة: — حصل إيه؟
بصتلي بانكسار: — أنا تعبت يا أدهم.
الجملة كسرتني.
ياسمين اللي عمرها ما اشتكت… بتقول تعبت.
كملت وهي دموعها بتنزل: — من ساعة الولادة وأنا بحاول أكون أم كويسة وزوجة كويسة وكنة كويسة. بحاول أرضي الكل. كل ما والدتك تقوم أسبقها على المطبخ. كل ما تطلب حاجة أعملها قبل ما تكمل كلامها. بس مهما عملت… بحس إني مقصرة.
قلت بسرعة: — أمي عمرها ما اشتكت منك.
صرخت فجأة: — ما هو ده اللي وجعني أكتر!
سكت.
كانت بتترعش وهي بتتكلم: — هي طيبة أوي… لدرجة إنها لما كنت بتتعبني كانت تسكت. لما كنت بتضايق من تدخلها في تربية زينب كانت تسكت. لما كانت تلاقي نفسها داخلة أوضتنا فجأة وأنا مش مرتاحة كانت تسكت. وأنا كنت بسكت علشان ماجرحهاش… وهي سكتت علشان ما تجرحنيش… لحد ما الاتنين اتكسرنا.
الكلام دخل في قلبي زي السكين.
لأول مرة أفهم إن الطيبة أحيانًا ما بتحلش كل حاجة.
أحيانًا الصمت بيبوظ أكتر.
قلت بخفوت: — إنتِ طلبتي منها تمشي؟
شهقت فورًا: — مستحيل! والله ما حصل!
وقامت جابت موبايلها بسرعة وورّتني الرسائل بينها وبين أمي.
كلها حب.
كلها احترام.
لكن بين السطور… كان فيه تعب.
أمي كانت طول عمرها متعودة تعمل كل حاجة بطريقتها. تدخل المطبخ حتى لو ياسمين مجهزة الأكل. تصحي زينب من النوم علشان “العيال لازم تصحى بدري”. تحط ملح زيادة في الأكل وتقول “أصل الأطفال لازم ياكلوا بطعم”. حاجات صغيرة جدًا… لكنها مع الوقت عملت ضغط.
وياسمين كانت ساكتة.
ساكتة علشان بتحبني.
وساكتة علشان ما تجرحش أمي.
وأمي فهمت السكوت غلط.
فافتكرت نفسها تقيلة.
قعدت على طرف السرير وأنا حاسس إني فشلت تاني.
المرة الأولى خفت من الفقر.
والمرة دي… خفت أواجه الحقيقة.
إن البيت مش بيقف بالحب بس.
البيت محتاج كلام صريح.
محتاج حدود.
محتاج كل واحد يحس إنه متشاف.
رفعت راسي لياسمين: — ليه ماقولتيليش إنك مضغوطة؟
ضحكت بوجع: — وإنت كنت هتعمل إيه؟ كنت هتزعل على أمك أو عليا.
قلت بسرعة: — لا.
لكن حتى وأنا بقولها… كنت عارف إن جزء مني كان خايف فعلًا.
خايف أقف في النص.
خايف أجرح واحدة فيهم.
وده بالضبط اللي خلاني أخسر الاتنين للحظة.
في نفس الليلة… سافرت المنيا.
الطريق كان طويل بشكل خانق.
وكل شوية كنت أفتكر شكل أمي وهي بتكتب الرسالة لوحدها.
أول ما وصلت البيت القديم… لقيت النور مفتوح.
دخلت بسرعة.
أمي كانت قاعدة جنب الفرن البلدي، لابسة نفس الجلابية القديمة اللي كانت لابساها يوم جبت ياسمين لأول مرة.
أول ما شافتني… ابتسمت كأن مافيش حاجة حصلت: — جيت يا حبيبي؟
الجملة وجعتني أكتر.
قعدت قدامها على الكرسي الخشب وقلت: — ليه مشيتي؟
قالت بهدوء: — علشان بيتك يفضل مرتاح.
— بيتي مرتاح وإنتِ فيه.
ابتسمت بحزن: — لا يا ابني. الست مهما كانت طيبة… بتحب بيتها يبقى ليها. وأنا كنت بدخل في كل حاجة بحسن نية.
قلت بعصبية: — وياسمين عمرها ما اشتكت.
أمي بصتلي نظرة طويلة وقالت: — ما هي دي المشكلة. البنت المؤدبة أوي بتكتم لحد ما قلبها يتعب.
سكت.
أمي كملت: — أنا ست كبيرة يا أدهم. وعشت العمر كله. الست لما تسكت زيادة… يبقى لازم حد يحس بيها من غير كلام.
حسيت بالخجل من نفسي تاني.
قلت: — يعني إنتِ زعلانة منها؟
شهقت أمي فورًا: — ياسمين؟ دي بنتي. دي أول واحدة حسستني إني مش عار على حد.
دموعي نزلت غصب عني.
أمي مدت إيدها تمسحهم: — بس كل جيل ليه طريقته يا ابني. أنا كنت فاكرة إن دخولي المطبخ ومسك البنت ومساعدتي ليها حب. وهي كانت محتاجة مساحة ترتاح فيها. لا هي غلط… ولا أنا غلط.
همست: — طب ليه ماقولتيش؟
ضحكت بحزن: — لأن الأمهات طول عمرهم بيخافوا يتحسبوا حمل على عيالهم.
الكلمة دي كسرتني.
حضنت إيدها وبستها: — عمرك ما كنتِ حمل.
قالت بهدوء: — وأنا عارفة. بس برضه لازم أعرف إمتى أرجع خطوة.
سكتنا شوية.
وبعدين قالت فجأة: — بتحبها؟
رفعت عيني بسرعة: — مين؟
ضحكت: — هو فيه غيرها في عينك؟
ابتسمت لأول مرة من ساعات.
قالت: — ماتخسرهاش يا أدهم. البنت دي شالتني في قلبها قبل بيتها.
قلت: — وأنا تعبتها.
ردت: — يبقى تصلح.
رجعت القاهرة تاني الصبح.
دخلت البيت لقيت ياسمين نايمة جنب زينب على الكنبة من كتر العياط والتعب.
وقفت أبصلها طويل.
كانت مرهقة.
شاحبة.
لكن حتى وهي نايمة، كانت إيدها على بنتنا كأنها بتحميها من الدنيا كلها.
في اللحظة دي فهمت حاجة مهمة جدًا.
إن الست القوية مش الست اللي ما تتعبش.
الست القوية هي اللي تتعب وتسكت وتكمل علشان اللي بتحبهم.
قربت منها بهدوء وصحيتها.
فتحت عينيها بخضة: — أدهم؟
قلت: — قومي البسي.
اتعدلت بخوف: — في إيه؟
ابتسمت: — هنروح نجيب أمي.
دموعها نزلت فورًا.
همست: — بجد؟
هززت راسي: — بس المرة دي… هنرجع كلنا فاهمين بعض.
في المنيا…
أمي كانت واقفة عند الباب لما وصلنا.
ياسمين أول ما نزلت من العربية جريت عليها وحضنتها وهي بتعيط: — حقك عليا يا ماما.
أمي حضنتها بقوة: — لا يا حبيبتي… حقك إنتِ عليا.
وقفت أبصلهم وأنا حاسس إن ربنا اداني فرصة تانية.
دخلنا البيت.
وقعدنا لأول مرة نتكلم بصدق.
ياسمين قالت بخجل: — أنا كنت بخاف أقول أي حاجة علشان ما تزعليش مني.
وأمي ردت: — وأنا كنت بخاف أبقى تقيلة عليكم.
قلت وأنا ماسك إيديهم هما الاتنين: — ومن النهارده… مافيش خوف في البيت ده.
بصوا لي.
قلت: — اللي يضايقه حاجة يتكلم. اللي يتعب يقول. اللي يحتاج مساحة ياخدها. إحنا مش لازم نسكت علشان نبان طيبين.
ياسمين ضحكت وسط دموعها: — أول مرة أشوفك بتتكلم كده.
قلت: — أصل أول مرة أفهم.
بعدها بشهور…
اشترينا بيت جديد أكبر.
مش علشان نهرب من المشاكل.
لكن علشان كل واحد يبقى له راحته.
أمي بقى ليها جناح صغير بدخول مستقل وحديقة صغيرة تزرع فيها اللي تحبه.
وياسمين بقت تدخل عندها كل صباح تشرب معاها الشاي بمزاج مش بضغط.
أما أنا…
فبطلت أحاول أكون “الراجل المثالي” قدام الناس.
وبقيت أحاول أكون إنسان حقيقي جوه بيته.
وفي يوم…
رجعت من الشغل بدري.
دخلت لقيت أمي وياسمين قاعدين على الأرض بيضحكوا، وزينب الصغيرة بتجري بينهم وهي لابسة طرحة جدتها فوق دماغها.
وقفت أبصلهم.
فاكر نفسي يوم زمان وأنا واقف في الحوش مستني ياسمين تكشف “وشها الحقيقي”.
والحقيقة إنها كشفت وشي أنا.
كشفت خوفي.
وغروري.
وضعفي.
لكنها برضه ساعدتني أبقى أحسن.
ياسمين رفعت عينها وشافتني واقف.
ابتسمت وقالت: — واقف ليه؟
قربت منهم ببطء.
أمي قالت وهي تضحك: — تعالى خد بنتك… قلبت البيت فوق دماغنا.
شلت زينب بين إيديا، فضحكت بصوت عالي.
وفي اللحظة دي…
بصيت لأمي.
ثم لياسمين.
وحسيت أخيرًا إن عندي البيت اللي كنت بدور عليه طول عمري.
مش البيت الكبير.
ولا الفلوس.
ولا النجاح اللي الناس بتصفق له.
البيت الحقيقي…
هو المكان اللي محدش فيه بيحتاج يختبر حب التاني علشان يصدقه.
يتبع