امي حكايات اسما السيد 1
أخدت خطيبتي تزور بيت أمي الفقير في الصعيد علشان أختبرها قبل الجواز… لكن أول ما شافت أمي وعيشتنا عملت اللي متوقعتوش في اقصي خيالاتي..
………
كنت أظن أنني أختبر المرأة التي سأقضي معها بقية حياتي…لكن مع نهاية ذلك اليوم، أدركت أن الشخص الوحيد الذي فشل في الاختبار… كان أنا.
اسمي أدهم السيوفي، عمري32 عامًا، وأعمل مديرًا لقسم تقني في شركة مقاولات كبيرة في القاهرة.
أتقاضى راتبًا كبيرًا يكفي لأن أقود سيارة فاخرة، وأسكن شقة حديثة في التجمع الخامس، وأتناول الطعام في المطاعم الراقية، ويصفني الجميع بأنني “رجل ناجح”.
اسم خطيبتي ياسمين الشاذلي. تعمل مُدرسة أطفال في مدرسة خاصة صغيرة في الشيخ زايد، ولا تكسب الكثير من المال.
لكنها كانت طيبة… صبورة… حنونة مع الأطفال… وعلى مدار ثلاث سنوات أحبتني دون أن تسألني ماذا أملك، أو كم أكسب، أو أي نوع من الحياة أستطيع أن أوفره لها.
كان زفافنا شبه مكتمل التخطيط. الأوراق أوشكت على الانتهاء، وقاعة الفرح تم حجزها، وفستان زفافها تم تفصيله بالفعل، والدعوات وصلت للعائلتين.
الجميع كان يقول إنني محظوظ لأنني سأتزوج امرأة مثل ياسمين.
لكن كلما اقترب موعد الزفاف… بدأ القلق ينهشني.
في العمل، كنت أسمع قصصًا كثيرة من رجال يقولون إن زوجاتهم لم يُظهرن حقيقتهم إلا بعد الزواج… عندما تعلّق الأمر بالمال، والشقة، والسيارة، والحياة المريحة.
أصدقائي كانوا يضحكون ويحذرونني: — “يا أدهم… الستات بيبقوا ملايكة قبل الجواز. لكن أول ما تعرف إن أمك عايشة في بيت قديم وفقير… ساعتها بس هتشوف وشها الحقيقي.”
كنت أضحك معهم من الخارج…
لكن كلماتهم بدأت تسمم رأسي من الداخل.
أنا اتولدت في قرية صغيرة في محافظة المنيا. وما زالت أمي، الحاجة زينب، تعيش وحدها في البيت القديم اللي اتربيت فيه… بيت متآكل بجدران متشققة، وسقف صاج قديم، ودهان باهت، وحوش ترابي صغير فيه شوية زرع وفرن بلدي قديم.
لسنوات حاولت أخلي أمي تعيش معايا في القاهرة، لكنها كانت تبتسم دائمًا وتقول: — “أنا متعودة على ريحة الأرض، وصوت الفجر، والعيش اللي بيطلع سخن من الفرن… معرفش أعيش وسط زحمة المدينة يا ابني.”
كنت أحب أمي…
لكن لو هكون صريح… كنت أشعر بالخجل من ذلك البيت.
قبل الزفاف بأسبوع، قررت أن أختبر ياسمين.
قلت لها: — “الأسبوع ده هآخدك البلد علشان تتعرفي على أمي.”
أضاء وجهها فورًا بالسعادة. — “بجد؟ أنا نفسي أقابلها من زمان! وكمان نفسي تعلمّني إزاي بتعمل المحشي والفطير البلدي.”
لم أقد سيارتي كعادتي. أخبرتها أنها في الصيانة، ثم أخذتها إلى موقف الأتوبيسات.
استقللنا أتوبيسًا قديمًا خارج القاهرة، ثم ركبنا ميكروباص صغير مع أحد أهل القرية، وأخذنا عبر طرق ترابية وحقول واسعة وبيوت ريفية هادئة تحت شمس العصر.
طوال الرحلة كنت أراقب ياسمين بعناية.
الأتوبيس كان مزدحمًا، والحر شديد، والتراب يدخل من الشباك باستمرار… لكنها لم تشتكِ ولو مرة.
كل ما فعلته أنها أخرجت منديلًا ومسحت العرق عن جبيني بلطف ثم ابتسمت. — “المكان اللي إنت جاي منه جميل… فيه راحة غريبة.”
التزمت الصمت.
وفي داخلي قلت: “استني بس لما تشوفي بيت أمي… وساعتها نشوف رأيك هيفضل زي ما هو ولا لأ.”
قبل الرحلة كنت قد اتصلت بأمي وقلت لها: — “يا أمي… البسي أقدم جلابية عندكِ. ولو سألتك ياسمين، قولي لها إن ضهرك بيوجعك، وإن البيت حالته صعبة شوية. اشتكي شوية.”
صمتت أمي طويلًا على الهاتف.
ثم سألتني: — “إنت بتختبر البنت دي يا أدهم؟”
شعرت بالذنب… لكنني أجبت: — “عايز أتأكد بس يا أمي.”
تنهدت وقالت: — “في ناس طيبتهم بتبان من غير اختبارات… لكن طالما ده اللي إنت عايزه، ماشي يا ابني.”
في ذلك العصر، عندما توقف الميكروباص أمام البوابة الخشبية القديمة… بدأ قلبي يخفق بعنف.
كان البيت كما أتذكره تمامًا.
السقف الصاج مائل إلى جانب واحد، والجدران متآكلة من سنين المطر، والفناء الترابي مليء بالقش الجاف، والفلفل الأحمر معلق تحت السقيفة، وقطع القماش المطرزة تتحرك مع الهواء الدافئ.
كانت أمي جالسة على كرسي منخفض قرب الباب، ترتدي جلابية قديمة مزهرة، وظهرها منحني قليلًا، ويداها فوق ركبتيها، وكأن كل حركة تؤلمها.
نظرت إلى ياسمين بطرف عيني.
توقعت أن تتجمد.
توقعت أن أرى خيبة الأمل.
توقعت أن تختفي ابتسامتها بمجرد أن تدرك أن هذا المكان الفقير المتهالك هو المكان الذي جاء منه زوجها المستقبلي.
لكنها لم تتصرف أبدًا كما تخيلت.
في اللحظة التي رأت فيها أمي، رقّ وجهها بابتسامة صادقة. مشت مباشرة نحوها، وانحنت، وأمسكت يدها، وتحدثت معها وكأنهما تعرفان بعضهما منذ سنوات.
— “ماما زينب… أخيرًا قابلتك. أكلتِ حاجة؟ ولسه رجلك بتوجعك؟ تعالى أساعدك.”
وقفت هناك بلا حركة.
حتى أمي نفسها بدت مصدومة، وعيناها امتلأتا بالدموع.
ياسمين لم تنزعج من الفناء الترابي، ولا الجدران المتشققة، ولا رائحة الحطب العالقة في الهواء.
وضعت حقيبتها جانبًا، وشمرت أكمامها، وساعدت أمي على الدخول، ثم سألت أين المطبخ، وإن كان هناك عيش بلدي لتسخنه.
ولم أكن قد قلت شيئًا بعد… حتى استدارت ياسمين نحوي وأخرجت ورقة مطوية من جيب سترتها.ووو
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
ولم أكن قد قلت شيئًا بعد… حتى استدارت ياسمين نحوي وأخرجت ورقة مطوية من جيب سترتها وقالت بهدوء: اقرأ دي يا أدهم. أخذت الورقة منها وأنا لا أفهم، ظننت في البداية أنها ربما كتبت ملاحظات عن الرحلة أو قائمة بأشياء تريد شراءها من البلد، لكن حين فتحتها وجدت خطها الهادئ المرتب في أعلى الصفحة يكتب: حاجات نفسي أعملها للحاجة زينب بعد الجواز. شعرت للحظة أن الهواء اختفى من صدري. لم تكن ورقة عادية. كانت كأنها مرآة وضعتها في يدي لأرى نفسي بوضوح للمرة الأولى. أول سطر كان مكتوبًا فيه: نصلح السقف قبل الشتا علشان المطر مايدخلش عليها. والسطر الثاني: أشتري لها مرتبة طبية كويسة علشان ضهرها ورجلها. والسطر الثالث: أتعلم منها المحشي والفطير علشان أحسسها إن بيتها فضل مفتوح ومش هتاخد ابنها منها. ثم كان هناك سطر تحته خط مرتين: عمري ما هخلي أدهم يختار بيني وبين أمه، لأن الست اللي ربت راجل كويس تستاهل تتشال فوق الراس. وقفت مكاني والورقة بين أصابعي ترتجف. لا أعرف هل كانت يدي هي التي ترتجف أم روحي كلها. نظرت إلى ياسمين فوجدتها تخلع حذاءها بهدوء عند باب البيت الطيني القديم، وكأنها تدخل بيت أهلها، ثم نظرت لأمي وقالت: أقدر أدخل المطبخ يا ماما زينب؟ أمي لم تستطع الرد. كانت تنظر إليها بعينين مملوءتين بالدموع، وشفتيها تتحركان كأنها تريد أن تقول شيئًا لكن الكلام عالق في حلقها. أنا وحدي كنت واقفًا في منتصف الحوش كالغريب، رغم أن هذا الحوش كان حوشي، وهذا البيت بيتي، وهذه المرأة أمي. شعرت فجأة أنني أنا الضيف، وأنا الغريب، وأنا الشخص الذي لا يستحق أن يقف هنا. دخلت ياسمين المطبخ الصغير، ذلك المطبخ الذي كنت أخجل من صورته في رأسي، بجدرانه المسودة من دخان الفرن ورفوفه الخشبية القديمة وأوانيه النحاسية الباهتة، لكنها دخلته بابتسامة حقيقية. لم تمد يدها على أنفها بسبب رائحة الحطب، ولم تنظر حولها باشمئزاز، ولم تسأل لماذا لا توجد أجهزة حديثة، بل قالت كأنها وجدت كنزًا: يا سلام على ريحة الفرن البلدي. أنا بحب الريحة دي أوي. أمي مسحت دموعها بطرف طرحتها وقالت بصوت مكسور: إنتِ بنت ناس يا بنتي. ياسمين ضحكت بخجل وقالت: لا يا ماما، أنا بس نفسي أتعلم منك. أما أنا فدخلت وراءهما بخطوات بطيئة، والورقة ما زالت في يدي. ياسمين كانت قد شمّرت أكمامها وبدأت تنظم الأطباق وكأنها تعرف أماكن كل شيء. سألت أمي عن العيش، وعن الجبنة القديمة، وعن الشاي، وعن الدواء، وعن موعد أكلها. كل سؤال كانت تقوله بحنان، وكل إجابة كانت أمي ترد بها وعيناها معلقتان بي كأنها تقول لي: هل رأيت؟ هل فهمت الآن؟ لكنني لم أكن قادرًا حتى على رفع عيني في وجهها. كنت أتذكر مكالمتي معها حين قلت لها البسي أقدم جلابية، اشتكي شوية، خلي البيت يبان على حقيقته. كم كنت صغيرًا. كم كنت ظالمًا. كم كنت أحمق وأنا أظن أن الفقر اختبار للناس، بينما الفقر كان سترًا يفضح القلوب المزيفة. جلست أمي على الكنبة الخشبية القديمة، وياسمين وضعت تحت قدميها مخدة صغيرة، ثم ركعت أمامها لتفحص ركبتها المتورمة. قالت بحنان: دي محتاجة دكتور عظام يا ماما، مش مسكنات وخلاص. أمي قالت بحرج: يا بنتي أنا كبيرة، كلنا كده في البلد. ياسمين رفعت رأسها وقالت بإصرار رقيق: لا، الكبير يتدلع أكتر مش يتساب يتوجع. الجملة دي ضربتني في قلبي. أنا ابنها، وأنا الذي كنت أرسل لها المال كل شهر وأظن أنني فعلت واجبي. لم أسأل مرة هل المرتبة مريحة، هل السقف يسرّب مطرًا، هل الدواء يكفي، هل الوحدة تأكل قلبها في الليل. كنت أريد أن آخذها معي للقاهرة كي أرتاح من شعوري بالذنب، لا كي أريحها هي. كنت أحبها، نعم، لكن حبي كان كسولًا، بعيدًا، مشغولًا بنجاحي وصورتي ومظهري. أما ياسمين التي لم تكن قد صارت زوجتي بعد، فقد رأت ألم أمي من أول دقيقة. بعد قليل، دخلت ياسمين المطبخ وسخنت العيش وجهزت الشاي، ثم جلست بجانب أمي تأكل معها من نفس الطبق. حاولت أمي أن تضع لها أفضل قطعة جبن، لكن ياسمين أمسكت يدها وقالت: أنا هاكل اللي إنتِ بتاكلي منه يا ماما. البيت اللي هيدخلني لازم أدخل قلبه الأول. أمي بكت عند هذه الجملة. لم تستطع أن تتمالك نفسها. مدّت يدها المرتعشة ووضعتها على رأس ياسمين وقالت: ربنا يباركلي فيكي يا بنتي. ياسمين قبلت يدها فورًا. وأنا في تلك اللحظة لم أعد أحتمل. خرجت إلى الحوش بحجة أنني أريد أن أرد على مكالمة. لم يكن هناك أي مكالمة. وقفت بجانب السور المكسور، أنظر إلى الحقول الممتدة خلف البيت، والشمس بدأت تميل للغروب، وصوت الديوك من بعيد يمتزج بصوت الريح. فتحت الورقة مرة أخرى وقرأت آخر سطر مرات ومرات: عمري ما هخلي أدهم يختار بيني وبين أمه. شعرت بالخزي يملأ صدري. هي كانت تفكر كيف تجمعنا، وأنا كنت أفكر كيف أختبرها. هي كانت تحمل خطة حب، وأنا كنت أحمل خطة إهانة. هي جاءت لتكسب أمًا، وأنا جئت لأكشف عيبًا غير موجود فيها بل فيّ أنا. سمعت صوت أمي من الداخل تقول لها: هو أدهم طيب يا بنتي، بس الدنيا أخدته. ردت ياسمين بهدوء جعلني أتوقف عن التنفس: عارفة يا ماما. هو قلبه كويس، بس خايف. أحيانًا الناس اللي اتعبت كتير بتفتكر إن لازم تختبر كل حاجة قبل ما تطمن. لم تكن غاضبة. لم تفضحني. لم تقل لأمي إنني رتبت الاختبار. لم تقل إنني أتيت بها في أتوبيس مزدحم عمدًا، ولا إنني أخبرت أمي أن تتظاهر بالتعب. كانت تستطيع أن تجعلني صغيرًا أمام أمي، لكنها اختارت أن تسترني. وهذا الستر كان أقسى عليّ من أي فضيحة. عدت إلى الداخل بخطوات بطيئة. عندما رأتني ياسمين ابتسمت كأن شيئًا لم يحدث وقالت: الشاي جاهز. جلست أمامها وأنا لا أعرف ماذا أقول. أمي كانت تنظر لي بعتاب صامت، ثم قالت فجأة: يا أدهم، خد ياسمين ووريها السطح قبل المغرب. من هناك المنظر حلو. فهمت أنها تريد أن تتركنا وحدنا. صعدت مع ياسمين السلم الطيني الضيق المؤدي إلى السطح. كان السلم متآكلًا، فمددت يدي تلقائيًا لأساعدها. أمسكت يدي للحظة، لكن ليس بدلال، بل بثقة، ثم تركتها عندما وصلنا. وقفنا فوق السطح، والقرية تحتنا هادئة، الحقول خضراء رغم الفقر، والبيوت بسيطة لكنها دافئة، والسماء بلون برتقالي حزين. ياسمين وقفت عند الحافة وابتسمت وقالت: المكان جميل بجد يا أدهم. لم أستطع أن أكذب أكثر. قلت بصوت منخفض: ياسمين. التفتت لي. كان في عينيها هدوء غريب، كأنها تعرف ما سأقوله وتنتظره. ابتلعت ريقي وقلت: أنا آسف. لم تسأل عن ماذا. وهذا كان مؤلمًا. قلت: آسف إني جبتك هنا علشان أختبرك. آسف إني خليت أمي تمثل التعب قدامك. آسف إني شكيت فيكي بسبب كلام ناس لا تعرفك ولا تعرف قلبك. آسف إني كنت شايف الفقر عيب، ونسيت إن العيب الحقيقي إن الواحد يخجل من أصل بيته وأمه. ظلت صامتة لحظات. ثم قالت بهدوء: كنت عارفة. رفعت رأسي بسرعة. قالت: من أول ما قلت إن عربيتك في الصيانة، وأنا عارفة إن في حاجة مش طبيعية. عربيتك لسه كنت راكبها قبلها بيوم. ولما أصريت نركب أتوبيس قديم رغم إنك تقدر تأجر عربية، فهمت إنك عايز تشوف رد فعلي. ولما ماما زينب قالت نفس الجمل اللي إنت ممكن تكون طلبتها، فهمت أكتر. شعرت أن الأرض ابتلعتني. قلت بخجل: ومع ذلك كملتي؟ ابتسمت بحزن وقالت: كملت علشان كنت عايزة أشوف إنت هتوصل لفين. مش علشان أثبتلك إني كويسة، لا. علشان أشوف إذا كنت هتعرف لوحدك إن اللي بتعمله غلط. قلت بصوت مبحوح: وعرفت. قالت: متأخر شوية. سكت. كانت تستحق أن تغضب، أن تتركني، أن تلقي الخاتم في وجهي. لكنها لم تفعل. وهذا جعلني أشعر بثقل أكبر. قلت: الورقة دي كتبتيها إمتى؟ نظرت للحقول وقالت: من شهرين. من يوم ما حكيتلي عن أمك وهي بتخبز لك عيش سخن قبل المدرسة. كنت بتتكلم عنها بطريقة خلتني أحس إني أعرفها. وقتها قررت إن بعد الجواز لازم أروح لها كتير. أنت كنت بتحكي عنها بحب، بس في نفس الوقت كنت بتخبيها من حياتك في القاهرة. وده وجعني. سألتها: وجعك ليه؟ قالت: لأن الراجل اللي يخجل من أمه ممكن في يوم يخجل من مراته لو الدنيا قست عليها. الجملة كانت كالسهم. لم أجد ردًا. أكملت: أنا مش غنية يا أدهم. وشغلي بسيط. ولبسي عادي. وأهلي ناس على قد حالهم. لو أنت شايف إن الأصل البسيط حاجة محتاجة اختبار، يبقى أنا كمان ممكن أبقى اختبار بالنسبالك بعد سنين. نظرت إليها وأنا أشعر أنني أفقدها أمام عيني. قلت بسرعة: لا، أرجوكي ماتقوليش كده. أنا ماخجلتش منك أبدًا. قالت: بس خجلت من بيت أمك. واللي يخجل من جذوره، هيعرف يثبت إزاي لما الريح تهز الشجرة؟ لم أستطع الكلام. كانت لا تصرخ، لا تبكي، لا تهدد. لكنها كانت تهدمني بهدوء. قلت أخيرًا: قوليلي أعمل إيه. قالت: ماتسألنيش أنا. اسأل نفسك إنت عايز تبقى أنهي نسخة من أدهم. الراجل اللي أصحابه يزرعوا الشك في قلبه فيجري يختبر خطيبته وأمه؟ ولا الراجل اللي يقف قدامهم ويقول أمي تاج راسي وخطيبتي مش محتاجة تثبت لحد إنها بنت أصول؟ نزلت عيني للأرض. قالت بعدها بصوت ألين: أنا بحبك يا أدهم. وعلشان بحبك مش هصفق لك لما تغلط. الحب مش بس حضن وكلام حلو. الحب كمان حد يوقفك قبل ما تبقى نسخة أنت نفسك تكرهها. في تلك اللحظة، سمعت صوت أمي تنادينا من تحت. نزلنا. البيت كان مضاءً بمصباح أصفر صغير، ورائحة الشاي والعيش والنعناع تملأ المكان. أمي كانت قد جهزت لنا صينية بسيطة. جلست ياسمين بجانبها كأنها ابنتها، وأنا جلست أمامهما وأنا أشعر أنني لا أستحق هذا المشهد. بعد العشاء، جاء بعض الجيران بعدما عرفوا أن ابن الحاجة زينب وصل من القاهرة ومعه عروسته. دخلت أم سيد، جارتنا القديمة، تحمل طبق مشبك بلدي، وقالت وهي تنظر إلى ياسمين: نورتينا يا عروسة. ياسمين قامت وسلمت عليها بحرارة. ثم دخل عم رفاعي، الرجل الذي كان يعطيني قصبًا وأنا طفل، وقال ضاحكًا: أخيرًا يا باشمهندس افتكرت البلد؟ شعرت بالإحراج. كنت أزور أمي قليلًا، وأحيانًا أرسل السائق بدلًا مني. لكن ياسمين لم تترك الصمت يفضحني. قالت: هو كان بيحكيلي عنكم كتير، وأنا اللي كنت مستنية أجي. نظرت إليها مذهولًا. مرة أخرى تسترني. مرة أخرى تمنحني فرصة ألا أظهر صغيرًا أمام الناس. جلس الجميع في الحوش، وصوت الضحك البسيط ملأ البيت. أمي بدت كأن سنوات سقطت عن كتفيها. كانت تضحك من قلبها، وتحكي لياسمين عن طفولتي، كيف كنت أخاف من الجاموسة، وكيف كنت أبكي إذا احترق طرف رغيفي، وكيف كنت أقول لها وأنا صغير إنني سأبني لها قصرًا عندما أكبر. الناس ضحكوا، لكن أنا لم أضحك. لأنني تذكرت الوعد. لم أبنِ لها قصرًا. بنيت لنفسي صورة ناجحة في القاهرة، وتركتها في بيت يسرب المطر. قرب منتصف الليل، وبعد أن خرج الجيران، وجدت أمي تجلس وحدها في الحوش. اقتربت منها وجلست على الأرض عند قدميها كما كنت أفعل وأنا صغير. نظرت لي وقالت: زعلان؟ قلت: من نفسي. مسحت على شعري بيدها المتعبة وقالت: كويس. اللي يزعل من نفسه يبقى لسه فيه خير. أمسكت يدها وقلت بصوت مخنوق: سامحيني يا أمي. أنا خجلت من البيت. خجلت من الفقر. بس عمري ما خجلت منك. عينيها امتلأتا بالدموع وقالت: البيت ده مايزعلش يا ابني. البيت ده شاف تعب أبوك، وشاف طفولتك، وشاف دموعي وأنا بربيك. لو جدرانه متشققة، قلبه سليم. العيب مش في الفقر. العيب إن الواحد ينسى مين تعب علشانه. بكيت. لأول مرة منذ سنوات بكيت أمام أمي. وضعت رأسي على ركبتها كطفل، وهي ظلت تمسح على رأسي وتتمتم بالدعاء. من بعيد، كانت ياسمين واقفة عند باب المطبخ تنظر إلينا، وعندما التقت عيناي بعينيها، ابتسمت ابتسامة صغيرة وابتعدت حتى تمنحنا خصوصيتنا. في الصباح، صحوت على صوت حركة في الحوش. خرجت فوجدت ياسمين قد سبقتني. كانت ترتدي طرحة بسيطة فوق شعرها، وتمسك مكنسة طويلة وتنظف الحوش مع أمي. حاولت أمي أن تمنعها لكنها كانت تضحك وتقول: أنا بنت البيت من النهارده. وقفت في الباب أراقبهما، وشعرت بشيء داخلي يتغير. لم يكن الأمر حبًا فقط. كان احترامًا، امتنانًا، خجلًا، ورغبة حقيقية في أن أصبح رجلًا يستحقهما. بعد الفطار، أخذت هاتفي واتصلت بأحد العمال الذين أعرفهم في المنيا. طلبت منه أن يحضر مهندسًا ونجارًا وحدادًا في نفس اليوم. ياسمين سمعتني، لكنها لم تتدخل. أمي قالت بقلق: هتعمل إيه يا أدهم؟ قلت: هصلح البيت. قالت: يا ابني مش لازم. جلست أمامها وقلت: لازم يا أمي. مش علشان أخبيه من الناس. علشان إنتِ تستحقي تعيشي مرتاحة. ياسمين نظرت لي، وفي عينيها لمعة صغيرة. بعد ساعات وصل العمال وبدأوا يفحصون السقف والجدران. لأول مرة كنت أنظر إلى البيت لا بعين الخجل، بل بعين المسؤولية. رأيت الشقوق التي تجاهلتها، السقف الذي كان يمكن أن ينهار، الفرن الذي يحتاج ترميمًا، الباب الذي بالكاد يغلق. كل عيب في البيت كان إدانة صامتة لي. بعد الظهر، جلست مع ياسمين تحت شجرة التوت خلف البيت. قلت لها: أنا هفهم لو عايزة تأجلي الفرح. أو تلغي كل حاجة. رفعت عينيها إليّ وقالت: وأنا مش عايزة أقرر وأنا موجوعة. قلت: حقك. قالت: بس عايزة أقولك حاجة. هززت رأسي. قالت: أنا مش زعلانة إنك كنت خايف. الخوف طبيعي. أنا زعلانة إنك خليت الخوف يقودك بدل ما تصارحني. لو كنت قلتلي يا ياسمين أنا خايف تكوني مش قابلة حياتي البسيطة، كنت هحضنك وأقولك خدني لأمك. لكنك اخترت الاختبار. والاختبار بيكسر حاجة في الثقة. قلت بصوت منخفض: أقدر أبنيها تاني؟ قالت: ممكن. بس مش بكلام. بالأفعال. وفي تلك اللحظة قررت. لم أخبرها بقرار كبير أو وعد درامي. فقط قررت أن أبدأ من نفسي. عندما عدنا إلى القاهرة بعد يومين، لم أعد كما ذهبت. أول شيء فعلته أنني دعوت أصدقائي الذين زرعوا الشك في رأسي إلى الغداء. جلسوا يضحكون كعادتهم، وسأل أحدهم بخبث: ها يا أدهم؟ العروسة عملت إيه لما شافت بيت الحاجة؟ زمانها اتخضت؟ نظرت إليه بهدوء وقلت: لا. اللي اتخضيت أنا. سكتوا. قلت: ياسمين طلعت أنضف مننا كلنا. وأنا طلعت غبي إني سمعت كلامكم. حاول واحد منهم أن يضحك ويقول: يا عم إحنا كنا بنهزر. قلت بصرامة: الهزار اللي يخليك تشك في إنسانة محترمة مش هزار. واللي يخليك تختبر أمك وخطيبتك علشان تثبت رجولتك يبقى سم. من النهارده، محدش يجيب سيرة أمي ولا ياسمين بالطريقة دي قدامي. الصمت ملأ المكان. ربما خسرني بعضهم في ذلك اليوم، لكنني لأول مرة شعرت أنني كسبت نفسي. بعدها ذهبت إلى ياسمين في مدرستها. كانت تقف وسط الأطفال، تضحك وهي تربط حذاء طفلة صغيرة. انتظرتها حتى انتهت، ثم أعطيتها ظرفًا صغيرًا. فتحته فوجدت صورة من عقد ترميم بيت أمي، وصورة من حجز موعد لطبيب عظام لها، وإيصال شراء مرتبة طبية. نظرت إليّ طويلًا. قلت: مش علشان أثبتلك. علشان ده كان واجبي من زمان. دموعها لمعت، لكنها لم تبكِ. قالت: دي بداية كويسة. سألتها بخوف: وبالنسبة لينا؟ ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: برضه بداية. مرّت الأسابيع التالية مختلفة. كنت أذهب إلى المنيا كل جمعة، ومعي ياسمين أحيانًا. أمي بدأت تتحسن. البيت بدأ يتغير. السقف اتصلح، الجدران اتدهنت بلون هادئ، الفرن البلدي اتجدد، والحوش بقي فيه كراسي مريحة وزرع جديد. لكن الأهم أنني لم أعد أخجل عندما أقول للناس إن أمي تعيش في قرية بسيطة في المنيا. بل صرت أحكي عنها بفخر. يوم الفرح، حدث شيء لم يكن في الخطة. في منتصف القاعة الفاخرة في القاهرة، وبعد أن جلس الضيوف، أمسكت الميكروفون ووقفت بجانب ياسمين. الكل ظن أنني سأقول كلمة عادية عن الحب والزواج. لكنني نظرت إلى أمي الجالسة في الصف الأول، بفستان جديد وطرحة بيضاء، ثم قلت أمام الجميع: قبل أيام، كنت فاكر إني راجل ناجح. عندي شغل كويس وبيت وعربية. لكن خطيبتي علمتني إن النجاح الحقيقي مش إنك تطلع من بيت فقير وتنساه. النجاح الحقيقي إنك تفضل فاكر مين تعب علشان تطلع. ساد الصمت. أكملت: أنا اختبرت ياسمين قبل الجواز، وده كان أكبر غلط عملته. كنت عايز أشوف هل هتقبل أمي وبيتنا البسيط ولا لأ. لكنها قبلتهم قبل ما أطلب. حبت أمي من أول دقيقة، وخططت تعتني بها قبل أن تصبح زوجتي. وأنا اللي فشلت في الاختبار. نظرت إلى ياسمين، وكانت الدموع في عينيها. ثم قلت: قدام كل الناس، أنا بعتذر ليكي يا ياسمين. وبعتذر لك يا أمي. وبوعدكم إن البيت اللي هنبنيه من النهارده عمره ما هيكون فيه خجل من الأصل ولا اختبار للقلوب النظيفة. القاعة كلها صفقت، لكنني لم أكن أسمع التصفيق. كنت أرى أمي تبكي، وياسمين تمسك يدي بقوة. اقتربت أمي منا واحتضنت ياسمين قبل أن تحتضنني. وقالت لها بصوت سمعه القريبون: ربنا رزقني ببنت قبل ما يرزق ابني بعروسة. وبعد الزواج، لم تكن حياتنا مثالية كما في الحكايات. اختلفنا، تعبنا، واجهنا ضغوطًا ومصاريف ومسؤوليات. لكن كلما كاد الشك يدخل بيننا، كنت أتذكر ذلك اليوم فوق سطح بيت أمي، حين قالت لي ياسمين إن الحب ليس اختبارًا، بل أمان. وبعد عام، رزقنا الله بابنة صغيرة. أصرّت ياسمين أن نسميها زينب. عندما حملتها أمي بين ذراعيها لأول مرة، بكت كما لم أرها تبكي من قبل. قالت: كده البيت عمره ما هيبقى فاضي. وفي كل جمعة، كنا نذهب إلى القرية. لم تعد الرحلة اختبارًا ولا واجبًا ثقيلًا. صارت عودة. ياسمين كانت تدخل البيت قبلنا، تنادي: ماما زينب، إحنا جينا. وأمي كانت تخرج من الباب وهي تضحك، تحمل حفيدتها وتدعو لنا. أما أنا، فكنت أقف أحيانًا أمام البوابة الخشبية القديمة التي رفضت أن أغيرها، رغم أن البيت كله ترمم. أبقيتها كما هي لتذكرني. تذكرني باليوم الذي وقفت أمامها رجلًا يظن أنه يختبر امرأة، ثم اكتشف أنه هو من كان محتاجًا أن يتعلم. تعلمت أن المرأة الأصيلة لا تُقاس برد فعلها أمام الفقر، بل بقلبها عندما ترى ضعف من تحب. وتعلمت أن الأم التي تعيش في بيت بسيط ليست عبئًا على صورة ابنها، بل هي أصل الصورة كلها. وتعلمت أن كلام الناس قد يبني في صدرك سجنًا، لكن الصدق وحده يفتح الباب. والأهم من كل ذلك، تعلمت أن بعض القلوب لا تحتاج إلى اختبار، لأنها حين تدخل بيتًا مكسورًا… لا تسأل عن الشقوق، بل تبحث عن الطريقة التي تجعل الضوء يدخل منها.
يتبع