النهاردة ليلة الخميس هتنام بدري ليه؟
النهاردة ليلة الخميس … هتنام بدري ليه؟
السؤال ده سألته لزوجي البارد، وكان الرد أبرد.
بَصّ لي باستهجان وقال
إيه اللي انتي عاملاه في نفسك ده؟ ولبسك ده؟
قلت له بهدوء ده مكياج، وده لبس عادي لأي ست في ليلة زي دي.
رد بسخرية وقال
الكلام ده ينطبق على الستات، لكن انتي مهما عملتِ هتفضلي زي ما انتي… روحي شيلي اللي في وشك ده ونامي.
وبعد ما سابني ونام، حسّيت بكسرة نفس، مسحت دموعي وبصيت في المراية.
لقيت نفسي جميلة، أو على الأقل مش بالشكل اللي هو شايفني بيه.
ودي كانت واحدة من المشاكل اللي بينا، وعينة من المعاناة اللي كنت بعيشها كل يوم مع جوزي،
واللي اضطرتني للأسف إني…
قبل ما أكمل حكايتي، لازم أعرفكم بنفسي الأول
أنا هند، عندي 42 سنة، على قدر معقول من الجمال، وجسمي رياضي.
اتخرجت من معهد تمريض.
أبويا اتوفى قبل ما أتولد، وأمي كانت ست بسيطة، ربتني لوحدها، ولما كبرت جوزتني، لكنها اتوفت بعد جوازي بعام.
كانت عايزة تطمن عليا قبل ما تروح لرب كريم، لكن ياريتها ما كانت استعجلت.
النهاردة خلاص،
صلّحت الغلط ده.
اتطلقت، وأخيرًا اتحررت من زواج دام عشرين سنة…
زواج أشبه بالاعتقال.
عشرين سنة مليانة وحدة وخوف وقهر، وذل وإهانة، رغم إن كنت في عصمة راجل.
كنت بعاني من قسوته وبخله في كل شيء، حتى في الكلام الطيب أو كلمة حلوة.
كان بيعتبرني خادمة مش زوجة.
يضرب ويهين ويحرم من الخروج أو حتى الأكل لو زعل.
وكان بيستغل إني وحيدة، مفيش حد يقف في وشي، فكان بيمشي كلمته بالقسوة.
عارفة إن قرار الطلاق ماكانش سهل، خصوصًا إني عندي منه 3 أولاد.
لكنهم كبروا، وبعد ما كنت كل حياتهم، بقوا هم اللي مش محتاجينني.
رغم كده، أنا مسامحة، لأنهم كانوا عزائي الوحيد اللي خلاني أستحمل.
بس لما تعبت نفسيًا، وبقيت على وشك أفقد السيطرة على نفسي،
خاف على نفسه… وطلقني.
خرجت من التجربة دي صفر اليدين، لا مال ولا بيت، ولا شباب.
فروحت عند صديقتي الأرملة، أم لخمس أولاد، بتشتغل مدرسة وبتكافح لوحدها.
رغم ظروفها الصعبة، استضافتني لحد ما ألاقي شغل.
كنت بخرج كل يوم أدور على عمل، وأرجع آخر اليوم تعبانة.
وفي يوم، بنتها قالتلي إن ممكن ألاقي شغل من خلال الإنترنت.
وفعلًا ساعدتني، وقدرت ألاقي فرصة كويسة جليسة لمريض، براتب محترم، وإقامة كاملة.
تواصلت مع صاحبة الإعلان، واتفقنا إني أروح تاني يوم.
ودّعت صديقتي، وشكرتها على كل حاجة، وراحت حطتلي شوية فلوس في شنطتي.
خدت اللي يكفيني للمواصلات، ورجّعتلها الباقي.
ركبت تاكسي وطلبت من السواق يودّيني المنيل.
نزلني قدام عمارة فخمة على النيل وقال
هي دي العمارة يا مدام.
اتصلت بصاحبة الشغل، وقالتلي
طلعي الدور التالت، أنا فاتحة الباب ومستنياكي.
طلعت، ولما الباب اتفتح لقيت بنت في العشرينات، لابسة لبس بيت بسيط ونظارة، ماسكة كباية مشروب.
قالتلي
اتفضلي.
دخلت الشقة، كانت جميلة جدًا، فخمة ومليانة ذوق.
قدّمتلها أوراقي وشهادة التمريض، بصّت فيها بإعجاب وقالت
حلو إنك دارسة تمريض، إحنا كنا محتاجين حد يعرف يدي علاج كمان.
سألتها
ممكن أعرف أنا هقوم بإيه بالضبط؟
قالت
بابا عنده جلطة مسببة شلل نصفي، هتكوني مسؤولة عن أكله ودواءه ومواعيده.
أنا بدرس في جامعة بأمريكا، ولازم أسافر، وخالي في مصر بس مشغول.
لو حصل أي حاجة اتصلي بيه، وده كمان رقم الدكتور اللي بيتابع حالة بابا.
بعدها قالتلي
تعالي أوريكي أوضتك.
دخلت معاها، الأوضة كانت كبيرة وجميلة جدًا، فيها سرير مريح ودولاب وتسريحة.
كنت مبسوطة ومش مصدقة إن ده هيبقى مكاني.
وبعد ما حطيت شنطتي، قالتلي
تعالي تشوفي أوضة بابا قبل ما الدكتور يوصل.
روحت معاها، وأنا متخيلة راجل كبير في السن…
لكن لما فتحت باب الأوضة، اتفاجئت لما شُفت…
لكن لما فتحت باب الأوضة، اتفاجئت لما شُفت
راجل في أواخر الأربعينات مش كبير زي ما كنت متخيلة، وملامحه هادية وجذابة رغم التعب اللي ظاهر عليه. كان قاعد على كرسي متحرك، وباصص ناحية الشباك، كأنه سرحان في حاجة بعيدة.
البنت قالت بابا دي مدام هند، هتكون معاك الفترة الجاية.
لفّ وشه بصعوبة ناحيتي، وبصلي نظرة غريبة مشفقة؟ ولا يمكن مقدّرة؟
وقال بصوت هادي مكسور شوية أهلاً يا مدام هند نورتِ.
الكلمة كانت بسيطة لكن وقعت في قلبي بشكل غريب.
من سنين طويلة ماحدش قالّي كلمة فيها احترام كده.
ابتسمت وقلت أهلاً بحضرتك وإن شاء الله أكون عند حسن ظنك.
البنت سابتنا شوية، وقالت
وقتها، لقيته بيقولي واضح إنك مش مرتاحة
اتوترت وقلت بسرعة لا لا عادي.
قال بهدوء أنا مريض بس مش أعمى. الحزن اللي في عينيكي أكبر من التعب اللي عندي.
سكتّ ولأول مرة من سنين، حسّيت إني مش محتاجة أمثل إني كويسة.
عدّت الأيام وابتديت أشتغل.
كنت بهتم بأكله، دواه، مواعيده وكل حاجة.
لكن اللي ماكنتش متوقعاه إنه هو كمان بدأ يهتم بيا.
كان دايمًا يقول ارتاحي شوية ما تضغطيش على نفسك.
أكلتي؟
لو محتاجة حاجة قولي.
حاجات بسيطة بس بالنسبة لي كانت كبيرة جدًا.
ومع الوقت، بدأ يحكيلي عن حياته
عن شغله، وعن مراته اللي توفت من سنين، وعن بنته اللي هي كل حياته.
وأنا كمان لقيت نفسي بحكيله.
حكيتله عن جوازي عن القهر عن الإهانة عن الوحدة.
كان بيسمع بس من غير ما يقاطع
وأحيانًا يقول إنتي قوية أكتر مما انتي فاكرة.
الكلمة دي كانت بتفوقني كل مرة.
عدّى شهر وبنتُه سافرت.
بقينا أنا وهو لوحدنا في الشقة الكبيرة.
في يوم، وأنا بساعده ياخد الدوا، قالّي هند ممكن أسألك سؤال؟
قلت اتفضل.
قال إيه أكتر حاجة وجعتك في حياتك؟
سكت شوية وبعدين قلت إني عشت عمري كله مع حد شايفني ولا حاجة.
بصلي وقال وأنا شايفك كل حاجة.
قلبي دق بسرعة وحسّيت بخوف غريب.
مش منه لكن من الإحساس اللي جوايا.
ابتديت آخد بالي من نفسي من شكلي من لبسي.
مش علشانه لكن علشان نفسي لأول مرة.
وهو كمان كان بيتحسن.
الدكتور قال إن حالته النفسية بقت أفضل بكتير، وده ساعد جسمه يستجيب للعلاج.
وفي يوم حصل اللي ماكنتش متوقعاه.
كنت قاعدة جنبه، وهو بيحاول يحرك إيده
وفجأة مسك إيدي.
بصلي وقال أنا عارف إن ده ممكن يكون غلط بس أنا مش قادر أتجاهل اللي حاسس بيه.
أنا بقيت مستني وجودك مستني صوتك مستني اليوم يعدي علشان أشوفك.
اتجمدت
كل حاجة جوايا كانت متلخبطة.
بين خوفي وبين احتياجي وبين إحساس لأول مرة إني مهمة في حياة حد.
قلتله بصوت مهزوز إحنا لازم نكون حذرين أنا هنا شغل وانت محتاج تركّز على علاجك.
ابتسم وقال وأنا محتاجك أكتر من أي علاج.
اللي حصل بعد كده غيّر حياتي كلها.
لما بنته رجعت من السفر
كنت خايفة جدًا.
لكن المفاجأة؟
إنها كانت عارفة كل حاجة.
وبدل ما تزعل بصتلي وقالت أنا عمري ما شفت بابا مرتاح وسعيد كده من ساعة ماما ما ماتت
ولو إنتي السبب فأنا مش ضد.
الدموع نزلت من عيني
مش مصدقة إن بعد كل اللي عديت بيه ممكن الحياة تديني فرصة تانية.
وبعد شهور
وقف على رجليه
بمساعدة بسيطة لكن وقف.
وكان أول قرار أخده
إنه يتمسك بيا رسمي.
النهاردة، وأنا بكتب حكايتي
أنا مش الست اللي اتهانت
ولا الزوجة اللي اتكسرت.
أنا هند
اللي اتأخرت بس ما ضاعتش.