الكاتبه امانى سيد 2 هدى

فتحت الظرف وإيدي بترتعش لأول مرة من الخوف، ولقيت جواه ورقة من محامي، ومعاها عقد عمل رسمي ل هدى في شركة شحن دولية كبيرة بمرتب محترم جداً، والورقة التانية كانت إعلان بدعوى خلع!
وفي ظهر ورقة المحامي، كانت كاتبة لي كلمتين بخط إيدها الناشف:
“يا بشمهندس كريم.. أنا مكنتش قاعدة معاك في الكومباوند عشان مستواك ولا لبسك، أنا كنت باقية على عشرة وأبو عيالي اللي كنت فاكراه راجل وسند. والشهادة اللي كنت بتعايرني بيها أنت وأختك، أنا كملت دراستي من وراك بالليل وأنت بايت برة، وأهو الدبلوم بقى بكالوريوس تجارة، والنهاردة أنا بقيت بشتغل وبقبض ومعايا شهادتي، وأجرت شقة ملكي أنا وعيالي من عرق جبيني. أنا طالعة من الباب ده برغبتي ومش هتشوف وشي تاني.. لأنك ببساطة يا كريم.. مبقتش تنفعني، وأنا اللي بقيت كتير عليك”.
وقعت الورقة من إيدي، وبصيت حواليا في الشقة اللي بقت فجأة واسعة وموحشة وباردة. في اللحظة دي بس، حسيت إن الخاتم اللي كنت فاكر إني هقلعه بمزاجي، هو اللي خلع صباعي وكبرائي وعمري كله معاه. وعرفت إن زن صفاء أختي خرب بيتي، وإني خسرت الست الوحيدة اللي كانت شيلاني لنفسي، مش لشهادتي ولا لفلوسي.. بس بعد فوات الأوان

مرت سنة كاملة على اليوم اللي هدى مشيت فيه. سنة كاملة وأنا عايش في دوامة مابتنتهيش، بحاول أقنع نفسي كل يوم الصبح قدام المراية إني مخسرتش حاجة، إني البشمهندس كريم اللي ألف ست تتمناه، بس الحقيقة المرّة كانت بتفرش نفسها قدامي أول ما الليل يدخل والشقة تضلم.
علاقتي بمروة بقت عاملة زي صفقة تجارية خسرانة، مفيش فيها روح. كل نقاش بيننا بيتحول لخناقة على مين بيدفع إيه، ومين برستيجه أعلى قدام زمايله في الشركة. مفيش مرة رجعت فيها البيت ولقيت ضحكة صافية أو لمة دافية. حتى أختي صفاء، ملامحها الشمتانة بدأت تختفي وظهر مكانها الخوف لما لقتني بقيت عصبي، ومبقتش أستحمل منها كلمة واحدة عن حياتي الشخصية. طردتها من بيتي في آخر مرة جت تذم في هدى، وقلت لها: “أنتِ اللي خربتي بيتي.. اقعدي في غلك ده بعيد عني”.
في يوم من الأيام، كان عندنا اجتماع مجلس إدارة طارئ في الشركة عشان نجدد عقود الشحن والخدمات اللوجستية مع الشركة الكبيرة اللي بنتعامل معاها. دخلت قاعة الاجتماعات، رتبت أوراقي، وقعدت مستني وفد الشركة التانية يدخل.
الباب اتفتح، ودخل مدير عام شركة الشحن، ووراه.. “هدى”.
قلبي اتقلع من مكانه. رجلي مكنتش شايلاني وأنا بقوم أقف زي بقية المهندسين عشان نرحب بيهم. هدى كانت لابسة بدلة فورمال شيك جداً باللون الكحلي، لافة طرحتها بنظام، وماسكة تابلت في إيدها. ملامحها اللي كانت دايماً مطفية ومكسورة تحت عيني وعين أختي، بقت مشعة، عينيها فيها لمعة ذكاء وفخر تخطف العين.
المدير بتاعهم اتكلم وقال: “أقدم لكم الأستاذة هدى، رئيسة قطاع التعاقدات الجديدة عندنا، وهي اللي أشرفت بنفسها على بنود العقد الجديد وهتعرضها عليكم”.
هدى بصت في القاعة، عينيها جت في عيني لثانية واحدة.. ثانية واحدة بس، مكنش فيها غل، ولا شماتة، ولا حتى عتاب. كانت نظرة غريب بيشوف غريب في إشارة مرور.. نظرة مفيش فيها أي مشاعر، وده كان أصعب عقاب دوقته في حياتي. السكوت والانكسار القديم اتمحى، وحل محله برود وثقة هزتني من جوايا.
بدأت تتكلم بنبرة صوت قوية، واثقة، ومخارج حروفها مظبوطة. كانت بتشرح بنود العقد باللغة الإنجليزية في وسط الكلام بسلاسة، وبتناقش مديرين شركتنا في أرقام ونسب بكل ذكاء. وأنا؟ أنا كنت قاعد على الكرسي حاسس إني صغرت أوي، صغرت لدرجة إني مكنتش قادر أرفع عيني في عينها. كنت بفتكر لما أختي قالت “أخرك حدود المطبخ”، ولما أنا ضحكت وقلت “الحمد لله إنها لاقية مطبخ تقف فيه”. النهاردة هدى واقفة في قاعة اجتماعات أكبر شركة في البلد، والكل بيسمع لها بإنصات واحترام.
بعد ما الاجتماع خلص والكل وافق على شروطها وأشادوا بذكائها، المدير بتاعي قرب مني وقال بابتسامة: “شايف يا كريم الستات الناجحة؟ دي اللي يتشال اسمها على الرأس وتشرف أي مكان تدخل فيه.. مش زي ستات اليومين دول اللي موراهمش غير المظاهر”.
الكلمة نزلت عليا زي المية المغلية. ميعرفش إن الست دي كانت في بيتي، وكانت بتستحمل قسوتي وإهاناتي، وكانت بتغسل لي هدومي وبتستناني بأكل سخن، وأنا اللي رميتها بإيديا عشان أدور على “المستوى” اللي يعجب أختي.
خرجت وراها بسرعة قبل ما تركب الأسانسير. ناديت عليها وصوتي بيترعش وسط الممر: “هدى..!”
وقفت، والتفتت ليا بكل هدوء ووقار. رفعت حاجبها وقالت بنبرة رسمية جافة: “أفندم يا بشمهندس كريم؟ فيه أي استفسار بخصوص بنود التعاقد مش واضح؟”
كنت عايز أصرخ، أعيط، أقولها سامحيني، أنا غبي وعميتني السيطرة الكدابة. قلت لها بنبرة مكسورة: “هدى.. أنتِ وصلتي لكل ده إزاي؟ وليه مكنتيش بتوريني الوش ده وأنتِ معايا؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ابتسامة كلها وجع قديم اتعافى منه خلاص، وقالت بصوت واطي ومسموع: “عشان معاك يا كريم، مكنش فيه مساحة للوش ده إنه يظهر. أنت وأختك كنتوا بتدوسوا على أي حاجة حلوة جوايا لمجرد إنكم تحسوا بالتميز. كنت بقوم بالليل وأنت نايم، أو وأنت بايت برة عند مراتك، أذاكر وأمتحن وأسعى، عشان كنت عارفة إن اليوم ده جاي.. يوم ما أقف على رجلي ومحتاجش لجميلة حد”.
سكتت ثانية، وبصت لساعتها، وبعدين رفعت عينيها في عيني وقالت الكلمة اللي ق*تلت آخر حتة كبرياء جوايا: “المركب اللي بتمشي بالذل والغصب بتغرق يا بشمهندس. وأنا غرقت معاك كتير، وجه الوقت اللي أتنفس فيه. عن إذنك ورايا اجتماع تاني”.
سابتني ومشيت، كعب جزمتها كان بيخبط على الأرض وكأنه بيخبط على قلبي اللي اتفرفد ميت حتة. وقفت مكاني وأنا شايفها بتبعد، وعرفت وقتها اليقين اللي مفيش بعده شك..
أنا مكنتش المنقذ ولا كنت كتير عليها.. أنا كنت السجان الغبي اللي قفل على جوهرة، ولما الجوهرة دي لقت الباب مفتوح، طارت وبقت في السما، وسابتني أنا هنا.. مدفون في حارة غسيلى، وندمي، وعمري اللي ضاع في المظاهر الكدابة.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *