جوزى وضرتى 4 امانى سيد قصص وروايات أمانى سيد
وافقت، وبعد كل اللي شفته حسيت إن العوض جالي لحد عندي، وأبويا لما عرف طار من الفرحة ومبقاش سايعه الكون إن بنته هيتردلها اعتبارها مع راجل بجد يصونها ويصون بناتها.
منصور ابن عمي مأستخسرش فيا حاجة، قالي: “أنتِ دخلتي حياتي ملكة، ولازم البلد كلها تحلف بيوم فرحنا”. وصمم يعملي فرح كبير وضخم، معملوش لأي عروسة في البلد قبل كده. لفيت وجبت فستان فرح أبيض من أول وجديد، وفصلت لبناتي الاتنين فساتين بيضاء صغيرة طالعين فيها زي الملايكة شبه أمهم بالظبط، والبنات كانوا طايرين من الفرحة وبيرقصوا ويلفوا حواليا وهم بيقولوا: “ماما هتبقى عروسة يا هدى!”.
يوم الفرح، القاعة كانت منورة ومنصور داخل ماسك إيدي ورافع رأسه وفرحته مش سايعاه، وبناتي ماسكين في فستاني والكل بيبص علينا بـ انبهار وفرحة حقيقية.
في نفس التوقيت ده، الخبر وصل لطليقي فوزي، ونزل عليه زي الصاعقة. فوزي اللي حاله وقف وتجارته خسرت، والبيت عنده بقى نكد وهم بسبب البنت المريضة اللي في الحضانة وأمه اللي مش بتطلّع صرختها، حس إنه خسر كل حاجة، وخسر الجوهرة اللي كانت في إيده ومقدرهاش.
ساب بيته وجري زي المجنون على الفرح، ودخل القاعة وعينيه حمرا وشرار الغيرة والندم بياكلوه، وحاول يتخانق ويزعق وهو بيقرب عليا ويصرخ بصوت عالي وسط الناس: “فوزية مش هتتجوز حد غيري! فوزية هترجعلي وترجع لبيتها، أنا هردها غصب عن أي حد.. دي أم بناتي وملهاش مكان غير معايا!”.
منصور أول ما شافه بيقرب وبيتخانق، ساب إيدي ووقف قدامه زى الاسد ، وحجز بينه وبيني، وبص له بعين قوية وهزت المكان وقاله: “إلزم حدك يا فوزي واعرف أنت واقف في فرح مين وبتتكلم مع مين! فوزية بقت مراتي على سنة الله ورسوله، والست اللي أنت رخصتها وظلمتها، أنا شيلتها فوق راسي وبقت ملكتي.. ملكش عيش هنا، واحمد ربنا إني مش عايز أبهدلك في ليلة فرحنا، لم نفسك واطلع برة!”.
أبويا وعمامي جريوا عليه وطردوه برة القاعة قدام المعازيم كلهم، وهو خارج مكسور ومذلول والندم بياكل قلبه بعد ما شافني بالأبيض والضحكة راجعة لوشي وسط الراجل اللي عرف قيمتي وقيمة بناتي. تمنيت وقتها إن الأيام دي تدوم، والحمد لله رب العالمين اللي نصرني ورجعلي حقي تالت ومتلت.
وبالفعل، من أول ليلة دخلت فيها بيت منصور، حسيت إني اتولدت من جديد. منصور مكنش بس جوز طيب، ده كان بيعاملني كأني ملكة متوجة في بيته، كلمتي هي المسموعة، وطلباتي مجابة من قبل ما أنطقها. وأهله، عمي ومرات عمي، شالوني فوق راسهم، وبقوا يعاملوا بناتي كأنهم حتة من قلبهم، مفيش تفرقة ولا كلمة تضايق، لدرجة إن بناتي بقوا يقولوا لمنصور “يا بابا” من كتر الحنية والأمان اللي غرقهم فيه.
ومرت الأيام والشهور، وربنا أراد يكمل فرحتنا ويزيدنا من فضله، وعرفت إني حامل. منصور وأهله طاروا من الفرحة، وطول شهور الحمل مكنش بيخليني ألمس قشة في البيت، وكان يقولي: “أنتِ وبناتك واللّي في بطنك رزقي اللي ربنا كرمني بيه، وراحتك بالدنيا”.
ولما جه معاد الولادة، ربنا أراد يكتب السطر الأخير في قصة العوض دي.. وولدت وجمعت بين البنات والولد! خلفت ولد زي القمر، منصور سماه على اسم أبويا “عبد الرحمن” اعترافاً بجميله وبوقفته معانا.
يوم السبوع، منصور عمل حفلة كبيرة والبلد كلها كانت حاشرة نفسها عشان تشوف وتتفرج. الكل مكنش وراه سيرة غير قصة “فوزية وعوض ربنا ليها”. الناس في البلد بقت تضرب بيا المثل ويقولوا لبعضهم: “شفتوا فوزية؟ اللي اتظلمت واتعيرت بالبنات وسابت بيت طليقها مكسورة، ربنا كرمها براجل صانها، ورزقها منه بالولد، وخلى طليقها اللي كان بيتبغدد قاعد يندب حظه وخسران شقاه وشغله وبنته معاقة!”.
أبويا كان قاعد في وسط السبوع وشايل عبد الرحمن ودموع الفرحة في عينيه، وبصلي وقالي: “الجميل بيترد لأهله يا بنتي، وأنتِ صبرتي ، فربنا مأخرلكيش العوض”.
أما أنا، فكنت واقفة وسط جوزي ومنصور ماسك إيدي، وبناتي لابسين ومنورين حواليا، وبصيت للسما وحمدت ربنا من كل جوارحي.. حمدته لأنه مبيرضاش بالظلم، ولأنه لما بيدي، بيدي عطاء يفوق كل التوقعات، وينسي العبد كل وجع مر بيه في حياته.
وفي وسط زحمة العقيقة واللمة الكبيرة دي، المفاجأة إن طليقي فوزي جه، دخل وهو مداري في وسط الناس، وشه باهت وهدومه دبلانة، مفيش فيه الحيل بتاع زمان ولا الغطرسة اللي كان داخل بيها فرحي. جه يدخل عشان يشوف الوضع واصل لفين، ووقف بعيد عينه منزلتش من عليا.
شاف بعينه اللي مكنش يتخيله؛ شاف منصور جوزي وهو واقف جنبي وسط أعيان البلد، بيشاور عليا بكل فخر ويقول: “دي وش الخير، دي الملكة اللي نورت بيتي ودنيتي”. وفي وسط الكلام، منصور مسك إيدي وقدام الناس كلها ومن غير أي كسوف، وطى وباس إيدي بحنية وتقدير، وكأنه بيقول للدنيا كلها إن الست دي تاج راسي.
وقتها أنا لمحت فوزي واقف بعيد، وشفت الندم وهو بينهش في جواه بجد، عينه كانت مكسورة وعروق وشه بارزة من كتر القهر والغل على اللي ضيعه من إيده. تيقن في اللحظة دي إن الست اللي كان منيمها مقهورة وسايب أمه تذلها، بقت عند راجل بجد بيعرف قيمتها ويشيل تراب رجليها قدام الأغراب والقرايب.
ومش بس كدة، ده كان واقف وشايف عمي التاني (أبو منصور)، اللي زمان كانوا مستهونين بيه وبشغله، واقف النهاردة لابس الجلباب الصوف الفخم، والكل بيلف حواليه ويبارك له ويهنيه. عمي اللي كان يا دوب بيكفي يومه زمان، وبفضل ربنا ثم شراكته مع أبويا، حاله اتقلب وبقى من كبارات البلد وأصحاب الكلمة المسموعة في السوق كله.
وفي المقابل، حال فوزي وأبوه بقى يصعب على الكافر؛ تجارتهم بارت تماماً، وديونهم كترت، وبقوا يا دوب بيمشوا يومهم بالعافية ومش ملاحقين على مصاريف علاج بنتهم في المستشفيات.
خرج فوزي من العقيقة وهو بيجر أذيال الخيبة والندم، بعد ما شاف بأم عينه إن ربنا عدل، وإنه سبحانه وتعالى رفع اللي اتظلمت وسابع سموات، ونزل اللي ظلموها لأسفل سافلين. حمدت ربنا للمرة المليون وأنا شايلة ابني “عبد الرحمن” وبناتي حواليا، وعرفت إن العوض لما بيجي من عند ربنا، بيجي كامل مكمل يبرد القلب ويداوي السنين.