يوم صبحيتي 2 حكايات نور محمد

الجزء  والأخير

​مرت ثلاثة أشهر على تلك الليلة التي ظننتها ستكون كابوسًا، فإذا بها تتحول إلى طوق نجاة صاغه لي أبي بحكمته. أحمد وأمه لم يستوعبا الصدمة بسهولة؛ فمن داخل جدران الحبس الاحتياطي، حاول أحمد بكل الطرق إرسال وسيط تلو الآخر، تارة يستعطفني بـ “حبنا القديم”، وتارة يهددني بأن عائلته لن تتركني وشأني بمجرد خروجه.

​لكن المحامي “رأفت” كان قد أحكم الحصار القانوني تمامًا. الشيكات التي وقع عليها أحمد كانت صحيحة، وبند الشرط الجزائي في عقد الزواج صار سيفًا مصلتًا على رقبته. وعندما أدركت حماتي أن صراخها لن يغير من الواقع شيئًا، وأن ابنها مهدد بالسجن لسنوات طويلة، بدأت تتنازل مجبرة.

​باعت حماتي شقتها القديمة والأرض التي كانت تخفي ملكيتها في قريتهم لتسديد قيمة الشيكات والشرط الجزائي مقابل أن أتنازل عن القضية وأوافق على الطلاق خلعًا دون أن أحمل منهم مليمًا واحدًا من أموالهم “الحرام”. لم أكن أريد أموالهم، كنت أريد فقط حريتي وكرامتي، وأن ألقنهم درسًا لا ينسونه.

​النهاية المفيدة: نقطة تحول

​في اليوم الذي وقعت فيه ورقة طلاقي، وقفت أمام المرآة في شقتي (التي أصبحت ملكي بالكامل). لم أكن أرى ريم الضعيفة أو المكسورة، بل كنت أرى امرأة ولدت من جديد.

​استخدمت أموالي التي تركها لي أبي في الحساب البنكي، بالإضافة إلى المستحقات القانونية التي استرددتها، في تأسيس مشروع صغير: “مؤسسة سند القانونية والاجتماعية”. وهي مبادرة متخصصة في توعية الفتيات المقبلات على الزواج بحقوقهن القانونية والشرعية، وتدريبهن على كيفية قراءة العقود وفهم التدابير التي تحميهن من أي استغلال أو غدر مادي.

​في أول ندوة أقامتها المؤسسة، جلست وسط مئات الفتيات، وكان أبي يجلس في الصف الأول يبتسم بفخر. نظرت إليهن وقلت الكلمات التي أصبحت دستور حياتي:

​”يا بنات.. الحب جميل، لكن الوعي أجمل. الكرامة لا تتناقض مع المودة، والحذر لا يعني سوء الظن بل يعني الأمان. الرجل الحقيقي لن يخيفه حرصكِ على توثيق حقوقكِ، والبيت الذي يُبنى على الطمع ينهار عند أول اختبار.”

​أما أحمد وأمه؟ فقد خرجا من هذه التجربة بلا شقة، بلا مال، وبسمعة جعلت الجميع يبتعد عنهم. علموا متأخرين أن بنت الأصول ليست صيدًا سهلاً، وأن اليد التي تمتد لتسرق كرامة الناس، قد تعود صاحبها مكسورة.

​عشت حياتي مرفوعة الرأس، ليس لأنني انتقمت، بل لأنني تعلمت كيف أحمي نفسي، وعرفت أن خلف كل امرأة قوية.. أب علّمها أن تكون غالية، وألا تقبل بالذل مهما كان الثمن.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *