قصر المنصوري حكايات اسما ٢

الجزء الثالث
في الساعة الثالثة فجرًا، كان المطر بيخبط شبابيك القصر بعنف، وأنا واقفة في مطبخ الدور الأول أحاول أهدّي رعشة إيديا وأنا بصب شاي.
البيت أخيرًا هدي.
الخدم رجعوا أوضهم بعد اللي حصل. الأمن انتشر عند البوابات. وصوت عربية نادين اختفى من زمان.
لكن رغم كل ده… الخوف ما اختفاش.
لأن الناس اللي زي نادين ما بيمشوش بهدوء.
النوع ده من البشر لازم يسيب وراه أذى.
حطيت الكوباية على الرخامة وحاولت أتنفس بعمق.
وفجأة… سمعت صوت خلفي:
“إنتِ بترتعشي.”
اتخضيت لدرجة إن المعلقة وقعت من إيدي.
لفيت بسرعة.
عمر المنصوري كان واقف عند باب المطبخ.
من غير بدلة المرة دي. لابس قميص أسود وبنطلون رمادي، وأكمامه مرفوعة لأول مرة. شكله أقل رسمية… وأخطر بطريقة غريبة.
قلت بسرعة: “آسفة يا فندم، ماخدتش بالي—”
قاطعني: “بطلي تعتذري كل شوية.”
سكتّ.
دي كانت أول مرة حد يقولي الجملة دي.
قرب ناحية الرخامة وبص للكوباية. “ده ليكي؟”
هززت راسي. “أيوه.”
“اشربيه.”
ما فهمتش قصده. لكن قعدت على طرف الكرسي وأخدت رشفة صغيرة.
فضل واقف يبصلي كام ثانية. ثم قال: “الدكتور جاي الصبح.”
رفعت عيني بسرعة. “ليه؟”
“علشان كتفك.”
ارتبكت. “لا يا فندم، مافيش داعي—”
“في داعي.”
صوته كان هادي… بس مافيش مجال للنقاش.
بلعت ريقي. “أنا كويسة.”
بصلي نظرة طويلة. ثم قال: “إنتِ متعودة تقولي كده حتى وإنتِ مش كويسة، صح؟”
الجملة دخلت في صدري مباشرة.
لأنها حقيقية.
في دار الأيتام… لو اشتكيت تبقى ضعيفة.
في الشغل… لو تعبت تبقى عبء.
في الحياة… لو انهرت محدش هيلحقك.
فبتتعلم تقول: أنا كويسة.
حتى لو روحك نفسها موجوعة.
ما رديتش.
عمر حط إيده على الرخامة وبص للشباك للحظة. ثم قال بدون ما يبصلي: “ليان ما بتنامش غير والنور مفتوح.”
قلبي وجعني. “أيوه.”
“وآدم بيخبي الأكل تحت المخدة.”
غمضت عيني للحظة.
هو لاحظ.
لاحظ أخيرًا.
قال بصوت أخفض: “أنا ماكنتش شايف.”
ماعرفتش أرد.
لأن الحقيقة؟ كان شايف أجزاء. لكن مش كاملة.
والأطفال ساعات بيتعلموا يخفوا الألم علشان يرضوا الكبار.
فجأة سأل: “إنتِ كنتِ بتنامي فين قبل الشغل هنا؟”
السؤال جه فجأة لدرجة إني اتلخبطت.
قلت بحذر: “في سكن تبع مكتب التوظيف.”
“ولو سبتي الشغل؟”
سكتّ.
هو فهم.
فهم إن مافيش مكان أرجعله فعلًا.
قال بعد لحظة: “محدش هيطردك.”
رفعت عيني بسرعة.
أول مرة من سنين… حسيت بالأمان من جملة بسيطة بالشكل ده.
لكن خوفي ما اختفاش.
لأن الأمان بالنسبة لناس زيي… بيبقى مؤقت.
وفي أي لحظة ممكن يتسحب منك.
قطع الصمت صوت خطوات صغيرة على السلم.
ثم ظهر آدم.
واقف ببيجامته الزرقا، وشعره منكوش، وعينيه نص نايمة.
أول ما شاف أبوه وقف مكانه.
التردد رجع تاني.
عمر فتح دراعه بهدوء. “تعالى.”
آدم بصلي أنا الأول.
كالعادة.
ولما هزيت راسي، جري عليه ببطء.
عمر شاله بسهولة. “إنت صاحي ليه يا بطل؟”
همس آدم: “كنت فاكرها رجعت.”
الوجع اللي ظهر على وش عمر ما اتوصفش.
ضم ابنه أكتر وقال: “محدش هيأذيك تاني.”
آدم دفن وشه في رقبته. ثم قال بنعاس: “مريم قالت كده برضه.”
عمر بصلي للحظة طويلة.
وفي نظرته كان في حاجة جديدة. حاجة خلتني أتوتر وأبص بعيد.
احترام.
ودي كانت أخطر حاجة بالنسبة لواحدة زيي.
لأنك لما تتعود طول عمرك إن الناس تبصلك كأنك أقل… أي ذرة تقدير بتخوفك.
بعد نص ساعة، طلعت أوضتي الصغيرة اللي كانت جنب غرفة الغسيل.
الأوضة بسيطة جدًا. سرير حديد. دولاب قديم. وشباك صغير.
لكنها كانت أول مكان في حياتي يبقى “بتاعي”.
قفلت الباب ورايا وقعدت على السرير بتعب.
وفجأة… موبايلي القديم رن.
الرقم كان مجهول.
قلبي انقبض فورًا.
رديت بحذر: “ألو؟”
ثواني صمت.
ثم صوت ناعم جدًا قال: “واضح إنك نسيتي مقامك بسرعة.”
الدم جمد في عروقي.
نادين.
قفلت الباب بالمفتاح تلقائيًا.
ما رديتش.
ضحكت ضحكة خفيفة مرعبة. “فاكرة إنك كسبتي؟”
بلعت ريقي. “أنا ما عملتش حاجة.”
“بالعكس… إنتِ عملتي أكبر غلطة في حياتك.”
حاولت أثبت صوتي. “لو سمحتي ما تتصليش بيا تاني.”
لكنها كملت وكأنها ما سمعتنيش: “إنتِ فاكرة عمر هيحميكي؟”
سكتّ.
فهمست: “إنتِ متعرفيش جوزي.”
ثم ضحكت. “أو بالأصح… طليقي قريبًا.”
قبل ما أقفل، قالت الجملة اللي خلت جسمي كله يبرد: “خلي بالك من الأطفال كويس يا مريم… الدنيا في القاهرة مليانة حوادث.”
وقفل الخط.
إيديا كانت بتترعش بعنف.
مش علشاني.
علشان ليان وآدم.
في الصبح، القصر كله كان متوتر.
الخدم بيتكلموا بصوت واطي. وكلهم بيبصوا ليا بطريقة مختلفة.
أمس كنت مجرد خدامة.
النهاردة؟ أنا البنت اللي بسببها الهانم اترمت بره القصر.
وده خطر.
وأنا نازلة السلم، سمعت اتنين من العاملات بيهمسوا:
“أكيد بينها وبين البيه حاجة.”
“ماهو مستحيل يعمل ده علشان الخدامة بس.”
كمّلت نزول كأني ما سمعتش.
لكن الكلام وجعني.
لأن ده اللي الناس بتعمله دائمًا.
لو راجل غني احترم بنت فقيرة… يبقى أكيد في سبب قذر.
مستحيل تكون إنسانيتها كفاية.
في غرفة الطعام، ليان وآدم كانوا قاعدين بهدوء غريب.
أول ما شافوني، وشهم نور.
“مريم!”
جروا عليا بسرعة.
وقبل ما ألحق أتكلم، صوت رجالي خرج من آخر الصالة: “صباح الخير.”
عمر دخل.
كل الخدم اتعدلوا فورًا.
الراجل ده حضوره يغير الجو فعلًا.
لكنه أول ما شاف الأطفال متعلقين بيا… ملامحه هديت بشكل بسيط.
قعد على الكرسي وقال: “فطرتم؟”
آدم هز راسه. “مستنيين مريم.”
حاجة غريبة عدت في عيون عمر.
حاجة بين الامتنان… والذنب.
الخادمة حطت الأكل بسرعة. لكن ليان كانت ساكتة.
عمر لاحظ فورًا. “مالك؟”
بصت في طبقها. “مفيش.”
هو يعرف بنته. واضح جدًا.
قال بهدوء: “ليان.”
عينيها اتمليت دموع فجأة. “هي هترجع؟”
الصمت نزل على السفرة.
آدم وقف عن الأكل.
أما عمر… فقال بثبات: “لا.”
ليان همست: “حتى لو إحنا وحشين؟”
المعلقة وقعت من إيدي.
يا رب…
إيه اللي اتقال للأطفال دول علشان يوصلوا للمرحلة دي؟
عمر نفسه شكله اتصدم.
قام من مكانه ببطء وركع جنب كرسيها.
“مين قال إنك وحشة؟”
دموعها نزلت. “نادين كانت بتقول إن ماما ماتت لأننا تعبناها.”
الهواء كله اتسحب من الأوضة.
الخدم بصوا لبعض بخوف.
أما عمر… فوشه فقد كل لون.
“قالت كده؟”
ليان خافت من رد فعله فورًا. “أنا آسفة.”
الجملة كسرت حاجة جواه.
بان جدًا.
مسك وشها الصغير بين إيديه وقال بصوت مبحوح: “بصيلي.”
بصتله ببطء.
“إنتِ ولا أخوكي عمركم كنتم السبب في أي حاجة وحشة.”
بدأت تعيط أكتر.
“مامتكم كانت بتحبكم أكتر من أي حاجة في الدنيا.”
ثم حضنها.
وأنا واقفة أبص عليهم… حسيت إني لازم أمشي.
المشهد خاص بيهم.
لكن قبل ما أتحرك، عمر رفع عينه عليا وقال: “استني.”
وقفت مكاني.
قام وهو شايل آدم بإيد، وليان ماسكة فيه. ثم قال للخدم كلهم: “من النهاردة… أي حد يسمع الأولاد كلمة تضايقهم وما يبلغنيش، يعتبر نفسه مطرود.”
الصمت كان كامل.
ثم بصلي مباشرة.
“وده يشمل أي حد يتكلم عن مريم بطريقة مش محترمة.”
اتجمدت.
الخدم نفسهم اتوتروا.
أما أنا… فحسيت بحرارة طالعة لوشي.
لأني فهمت فورًا إن الكلام وصله.
بعد الفطار، كنت في الجنينة مع الأطفال.
لأول مرة… كانوا بيلعبوا براحتهم.
آدم بيجري ورا الكورة. وليان بتضحك بصوت عالي.
ضحكة طفل حقيقية.
مش خايفة. مش مكتومة.
وقفت أبصلهم وأنا حاسة إن قلبي بيدفي لأول مرة من سنين.
لكن فجأة…
صوت عربية وقف عند البوابة.
الحراس اتوتروا.
ثم دخل رجل لابس بدلة رمادي ونظارة سودا.
أول ما شافه الخدم… وشوشهم اتغيرت.
واحدة همست: “يوسف الحديدي.”
الاسم نفسه عمل قشعريرة.
يوسف كان شريك عمر القديم. ورجل معروف إن محدش يقدر يرفض له طلب.
نزل من العربية بهدوء مرعب.
ثم ابتسم أول ما شاف الأطفال.
بس الابتسامة ما وصلتش لعينيه.
دخل القصر كأنه مالكه.
وبعد دقائق… سمعت صوت عمر عالي لأول مرة من المكتب:
“قولتلك مستحيل!”
صوت يوسف رد بهدوء: “فكر بعقلك.”
“ولادي مش لعبة.”
اتجمدت.
ولادي؟
قربت من الباب بدون وعي.
ثم سمعت الجملة اللي خلت الدم يبرد في عروقي:
يوسف قال: “نادين قالت إن عندها إثبات إنك أب غير صالح… والمحكمة ممكن تاخد الأطفال منك.”
قلبي ضرب بعنف.
ثم كمل ببرود: “ولو ده حصل… الأطفال هيروحوا لوصاية نادين مؤقتًا.”
لا.
لا لا لا.
مش بعد كل اللي حصل.
داخل المكتب… كان في صوت حاجة بتتكسر بعنف.
واضح إن عمر قلب المكتب نفسه.
ثم خرج صوته مخيف: “لو حد قرب منهم… هدمره.”
لكن يوسف رد بهدوء أخطر: “الموضوع خرج من إيدك يا عمر.”
وقتها… عرفت إن الحرب الحقيقية لسه ما بدأتش.
وإني أنا… الخادمة اليتيمة اللي طول عمرها بتحاول تبقى غير مرئية…
بقيت فجأة في قلب معركة ناس أقوى مني بكتير.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *