خضوع الرجل بقلم احمد محمود شرقاوي

كان أبي يرى فيها شيطاناً يمشي على الأرض، لم يطق خطيبتي ولا أهلها يوماً. كان يحاصرني يومياً بنصائحه: “يا ابني البنت دي طينة خبيثة، والناس دول مش توبنا”. لكن، كيف أسمع له؟ حب 4 سنوات في الجامعة جعلني أعمى وأصم، لم يكن عندي أي استعداد للتنازل عنها.

زاد التعنت بيننا، رفض أبي مساعدتي في تجهيز الشقة رغم يسره المادي، وضعني أمام خيار صعب: “سيبها وأنا أجوزك ست ستها وأجهزك من الإبرة للصاروخ”. بقيت حائراً بين ناريّ الحب ورضا الأب. خطيبتي “منار” كانت تعلم برفضه، فبدأت تمارس دهاء الأفاعي؛ تودد ومسكنة ومحاولات مستميتة لإرضائي حتى لا أتركها.

نقطة التحول فجأة، سقط أبي مريضاً بجلطة دماغية أدخلته في غيبوبة طويلة. أصبحت أنا “الرجل” والمسؤول الأول عن البيت، وعن أخي الأصغر (طالب الثانوية)، وعن أموال أبي. في تلك الفترة، والشيطان يلعب برأسي، بدأت أسحب من رصيد أبي البنكي لأكمل تجهيز شقتي، كنت أقول لنفسي: “هو كده كده بيحوش عشاننا”. أصبحت “منار” تتردد على شقتنا بحجة التنظيف وإعداد الطعام، وبدت كالملاك البريء.. أو هكذا كنت أظن.

الجريمة والكابوس ثم وقعت الكارثة التي لا يصدقها عقل. اختفى أخي الصغير يوماً كاملاً، لنتلقى بعدها اتصالاً يفيد بالعثور على جثته ملقاة في الترعة! هرولت كالمجنون، لأجد الشرطة والمباحث وجثة أخي مسجاة.. قيل إنه “حادث سرقة بالإكراه” في مكان مهجور. انقلبت حياتي جحيماً؛ أبي يصارع الموت في الغيبوبة، وأخي قُتل غدراً، والبيت ينهار.

بعد شهرين، عرضت “منار” الزواج فوراً لتكون بجانبي وترعاني وترعى أبي المريض. وافقت، وتزوجنا في حفل ضيق جداً لم يلمني عليه أحد نظراً للظروف. دخلت شقتي التي جهزتها بمال أبي، وبدت الحياة تستقر قليلاً، خاصة مع اهتمام زوجتي المبالغ فيه بأبي في المستشفى.

المعجزة والعقاب حدثت المعجزة، وأفاق أبي من غيبوبته! تعافى بسرعة غريبة وتقرر خروجه. حملت هم الدنيا فوق رأسي: “كيف أخبره بمقتل ابنه الأصغر؟”. أخبرته وأنا أرتجف، لكن رد فعله جمد الدم في عروقي؛ اكتفى بقول: “إنا لله وإنا إليه راجعون” بهدوء مريب، وكأنه كان يعلم!

عاد للبيت، وتعامل مع زوجتي بلطف مبالغ فيه. ظننت أن الأمور استقرت، حتى جاءت الليلة الثالثة. سمعت صراخ أبي يناديني، نزلت مسرعاً لأجده يصرخ: “أخوك هنا.. أخوك مامتوش.. أخوك لسه خارج من عندي!”. ظننت أنه فقد عقله، صعدت لزوجتي فوجدتها ترتعش رعباً.

لعبة الأشباح لم يكن أبي يهذي.. بدأت تحدث أمور مرعبة في شقتي؛ طرقات على الباب في أوقات متأخرة، رائحة عطر أخي تفوح في المكان، وظلال تتحرك. وصل الأمر لذروته حين اتصلت بي زوجتي تصرخ، تخبرني أن باب الشقة فُتح عليها ووجدت آثار دماء ورسائل غريبة. عادت لمنزل أهلها مرعوبة، وبقيت أنا في دوامة الشك والخوف.

النهاية.. وسقوط القناع بعد 3 أيام، عدت للبيت لأجد الشرطة في انتظاري. قُبض عليّ وعلى زوجتي بتهمة “القتل العمد”. كيف عرفوا؟ اعترفت “منار” بكل شيء، وتبين أن أبي -الذي ظنناه في غيبوبة- كان يسمع ويرى بقلبه. لقد خططت “منار” لكل شيء؛ استغلت مرض أبي، وسلمتني نفسها في الحرام لتسيطر عليّ كلياً، ثم أقنعتني بالفكرة الشيطانية: “نتخلص من أخوك، ولما أبوك يصحى ويموت من الصدمة، تورث أنت كل حاجة ونبيع ونسافر”.

نعم.. أنا من قتلت أخي بيدي، رميته في الترعة وسرقت هاتفه ومحفظته لأوهم الشرطة أنها سرقة. لكن أبي، بدهائه، لعب علينا دور “الممسوس” ليخيف زوجتي ويجبرها على الهرب، ثم دخل شقتي وفتش بدقة حتى وجد هاتف أخي ومحفظته مخبأين، وأبلغ الشرطة.

أبلغ عن ابنه الوحيد المتبقي، ليزج بي في السجن، لأنقذ ما تبقى من شرفه وضميره. تعلمت الدرس ولكن بعد فوات الأوان.. الرجل لا يسلم عقله لامرأة، ولا يُبنى بيت على دم وحرام. تنازلت عن رجولتي وقوامتي، فسقطت في الهاوية.

[الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ]

بقلم: أحمد محمود شرقاوي 🍀

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *